ابن عجيبة
312
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقوله تعالى : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً : هو ماء الغيب الذي يطهر القلوب من شهود السّوى ، ويذهب به رجز الشيطان ، وهي ظلمة الأكوان ، التي تنعقد في القلب من حب الهوى الذي هو من تزيين الشيطان ، ويثبت به الأقدام ، حتى تثبت عند مصادمة أنوار الحضرة ، التي هي تجلى الذات ، فلا يثبت لها إلا الشجعان والأبطال وأكابر الرجال . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر علة أمرهم بقتل الكفار ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 13 إلى 14 ] ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 13 ) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ ( 14 ) قلت : ( ذلكم ) : مبتدأ حذف خبره ، أي : ذلكم العقاب أو العذاب ، أو خبر ، أي : الأمر ذلكم ، أو منصوب بمضمر يفسره فذوقوه ، و ( أن للكافرين ) : عطف على ( ذلكم ) ، أو نصب على المفعول معه ، وقرىء بالكسر ؛ استئنافا . يقول الحق جل جلاله : ذلِكَ الضرب لأعناق الكفار ، أو الأمر به بِأَنَّهُمْ ؛ بسبب أنهم شَاقُّوا أي : خالفوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وصاروا كأنهم في شق وهو في شق ؛ مبالغة في المخالفة والمباعدة ، وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ويبعد عنهما فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لكل من خالفه أو خالف رسوله ، وهو تقرير للتعليل ، أو وعيد بما أعد اللّه لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدنيا ، ذلِكُمْ العذاب فَذُوقُوهُ وباشروا مرارته ، وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ ، والمعنى : ذوقوا ما عجل لكم من النقمة في الدنيا مع ما يحل عليكم في الآخرة من عذاب النار ، ووضع الظاهر موضع المضمر ؛ للدلالة على أن الكفر سبب العذاب العاجل والآجل . الإشارة : مخالفة اللّه ورسوله توجب الطرد والبعاد ، وموافقة اللّه ورسوله توجب القرية والوداد ، وهذه الموافقة التي توجب للعبد المحبة والوداد تحصل بخمسة أشياء : امتثال أمره ، واجتناب نهيه ، والإكثار من ذكره ، والاستسلام لقهره ، والاقتداء بنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم والتأدب بآدابه ، والتخلق بأخلاقه ، وبأضداد هذه الأشياء يحصل للعبد المخالفة التي توجب طرده وبعده ، وهي مخالفة أمره ، وارتكاب نهيه ، والغفلة عن ذكره ، والتسخط عند نزول قهره ، وعدم الاقتداء بنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ بارتكاب البدع المحرمة والمكروهة ، حتى يفضى به الحال إلى المشاققة والمباعدة ، وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ . وبالله التوفيق .