ابن عجيبة
3
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الجزء الثاني سورة المائدة مدنية . وهي مائة وعشرون آية ، وألفان وثمان مائة وأربع كلمات ، وقرأها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حجة الوداع ، وقال : « يا أيها الناس ، إن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا ، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها » « 1 » . وقال ابن عمر : ( أنزلت سورة المائدة والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم على راحلته ، فلم تستطع أن تحمله حتى نزل ) . وهي مكملة لما تضمنته سورة النساء من عقود الأحكام الستة ، ولذلك افتتحها بالتوصية على الوفاء بها ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ( 1 ) أي : بالعهود التي عهدت إليكم أن تحفظوها ، وهي حفظ الأموال ، وحفظ الأنساب ، وحفظ الأديان ، وحفظ الأبدان ، وحفظ اللسان ، وحفظ الأيمان ، ثم مرّ معها على الترتيب ، فما ذكره هناك مستوفى ، لم يعد منه هنا إلا أصله ، وما بقي هناك في أصل من الأصول الستة كمله هنا ، ولمّا ذكر فيما تقدم في أول السورة حكم الأموال باعتبار الملك ، ولم يتكلم على ما يحل منها وما يحرم ، تكلم هنا على ذلك ، فقال : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ . . . قلت : إضافة ( بهيمة الأنعام ) : للبيان ، كثوب خزّ ، أي : البهيمة من الأنعام ، و ( غير محلى الصيد ) : حال ، قال الأخفش : من فاعل « أوفوا » ، وفيه معنى النهى ، وقال الكسائي : من ضمير ( لكم ) ؛ كما تقول : أحل لكم الطعام غير مفسدين فيه ، فإن قلت : الحال قيد لعاملها ، والحلّية غير خاصة بوقت حرمة الصيد ؟ قلت : لمّا كانت الحاجة إليها في ذلك الوقت أكثر ، خص الحلية به ليكون أدعى للشكر ، ويؤخذ عموم الحلّية من سورة الحج « 2 » . يقول الحق جل جلاله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ أي : الأنعام كلها ، وهي الإبل والبقر والغنم ، إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ بعد في قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ . . . الآية « 3 » ، حال كونكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ( التفسير 2 / 311 ) موقوفا على ( أم المؤمنين عائشة ) رضى اللّه عنها . وصححه ووافقه الذهبي . وفي الفتح السماوي ( 2 / 552 ) نقلا عن الحافظ ابن حجر : لم نقف عليه مرفوعا . ( 2 ) في قول اللّه تعالى : أُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ . . الآية / 30 . ( 3 ) الآية الثالثة من السورة نفسها .