ابن عجيبة

298

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وجز مثقلا لو خف طفّ موكّلا * بمنقول أحكام ومعقول حكمة قال شارحه : أمره بالمجاوزة عن المثقلين بأثقال العلوم الظاهرة ، من الفقهاء ، والمتكلمين بأحكام المنقولات ، والفلاسفة الموكلين بالمعقولات والحكمة ، ووصف مثقلا بأنه : لو خف طفا ، أي : لأنه لو كان خفيفا بوضع الأثقال عنه كان طفيفا ، لا يرى لنفسه قدرا ، واللازم منتف فالملزوم مثله ه . ثم إن البشر لا بد أن تعتريه أحكام البشرية ، كالغضب وشبهه ، كما بيّنه الحق تعالى بقوله : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 201 إلى 202 ] إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ( 201 ) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ( 202 ) قلت : الطيف - بسكون الياء - : مصدر طاف به الخيال يطيف طيفا ، أو مخفف ؛ من طيّف ؛ كهين ولين وميت . ومن قرأ ( طائف ) : فاسم فاعل ، والمراد به : لمّة الشيطان ووسوسته . وحذف مفعول ( تذكروا ) ؛ للعموم على ما يأتي في المعنى . وقوله : ( فإذا هم مبصرون ) : أتى بإذا الفجائية ؛ ليقتضى سرعة تيقظهم ، وبالجملة الاسمية ولم يقل : تذكروا فأبصروا ؛ ليفيد أنهم كانوا على البصري ، وإنما السّنة طرقتهم ثم رجعوا عنها . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك والمعاصي ، إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ أي : لمّة منه ، كما في الحديث : « إنّ للشّيطان لمّة وللملك لمّة . . . » « 1 » إلخ ، فإذا أخذتهم تلك السنة وغفلوا تَذَكَّرُوا عقاب اللّه وغضبه ، أو ثواب اللّه وإنعامه ، أو مراقبته والحياء منه ، أو مننه وإحسانه ، أو طرده وإبعاده ، أو حجبه وإهماله ، أو عداوة الشيطان وإغواءه ، كلّ على قدر مقامه ، فلما تذكروا ذلك فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ بسبب ذلك التذكر ، أي : فإذا هم على بصيرة من ربهم التي كانوا عليها قبل المس ، أو : فإذا هم مبصرون مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فيحترزون منها ، ولا يعودون إليها بخلاف المنهمكين في الغفلة ، كما قال تعالى : وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ أي : وإخوان الشياطين ، الذين لم يتقوا ، يمدونهم ، أي : ينصرونهم ، ويكونون مددا لهم في الضلال والغي ؛ بالتزيين والحمل عليه ، ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ؛ لا يمسكون عن إغوائهم حتى يوردوهم النار ، أو : لا يقصر الكفار عن غيهم وضلالهم حتى يهلكوا . الإشارة : البصيرة حارسة للقلب ، الذي هو بيت الرب ، فإذا نامت طرقها الشيطان ، فإن كان نومها خفيفا أحست به وطردته ، وهذه بصيرة المتقين ، الذين ذكرهم اللّه تعالى بقوله : إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا ، وإذا كان نومها ثقيلا سرق الشيطان ما فيها ، ولم تفطن به ، وهذه بصيرة الغافلين ، الذين هم إخوان الشياطين .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في ( تفسير سورة البقرة ، آية : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ . . . . ) من حديث عبد اللّه بن مسعود . والمراد باللمّة : النزول والقرب ، والمراد بها : ما يقع في القلب بواسطة الشيطان أو الملك . فأما كان من خطرات الخير فهو من الملك ، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان . راجع : النهاية ( لمم 4 / 273 ) .