ابن عجيبة

296

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله ، في إتمام الرد على المشركين : وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ أي : تعبدونها من دونه ، لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ، فلا تبال بهم أيها الرسول ، وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا ، يحتمل أن يريد الأصنام ، فيكون تحقيرا لها ، وردا على من عبدها ؛ فإنها جماد موات لا تسمع شيئا ، أو يريد الكفار ، ووصفهم بأنهم لا يسمعون ، يعنى : سمعا ينتفعون به ، لإفراط نفورهم ، أو لأن اللّه طبع على قلوبهم ، وَتَراهُمْ أي : الأصنام ، يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ؛ لأنهم مصورون بصورة من ينظر ، فقوله : وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ : مجاز ، وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ حقيقة ، لأن لهم صورة الأعين ، وهم لا يرون بها شيئا ، هذا إن جعلناه وصفا للأصنام ، وإن كان وصفا للكفار فقوله : وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ حقيقة ، وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ مجاز ، لأن الإبصار وقع منهم في الحس ، لكن لمّا لم ينفعهم ؛ لعمى قلوبهم ، نفاه عنهم كأنه لم يكن . قال المحشي : شاهدوا بأبصار رؤوسهم ، لكنهم حجبوا عن الرؤية ببصائر أسرارهم وقلوبهم ، فلم يعتد برؤيتهم . ه . الإشارة : في الآية تحويش للعبد إلى الاعتماد على اللّه واستنصاره به في جميع أموره ، فلا يركن إلى شئ سواه ، ولا يخاف إلا من مولاه ، إذ لا شيء مع اللّه . وقوله تعالى : وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ . . . الآية . قال المحشى : يقال : رؤية الأكابر ليست بشهود أشخاصهم ، لكن لما يحصل للقلوب من مكاشفة الغيوب ، وذلك على مقدار الاحترام وحضور الإيمان . ه . يعني : أن النظر إلى الأكابر ، من العارفين بالله ، ليست مقصودة لرؤية أشخاصهم ، وإنما هي مقصودة لفيضان أمدادهم ، وذلك على قدر التعظيم والاحترام ، وصدق المحبة والاحتشام ، فكل واحد من الناظرين إليهم يغرف على قدر محبته وتعظيمه . روى أن بعض الملوك زار قبر أبى يزيد البسطامي ، فقال : هل هنا أحد ممن أدرك الشيخ أبا يزيد البسطامي ؟ فأتى بشيخ كبير ، فقال : أنا أدركته ، فقال : ما سمعته يقول ؟ فقال : سمعته يقول : ( من رآني لا تأكله النار ) . فقال الملك : هذا لم يكن للنبي - عليه الصلاة والسلام - ؛ فقد رآه كثير من الكفار فدخلوا النار ، فكيف يكون لغيره ؟ فقال له الشيخ : يا هذا ، الكفار لم يروه صلّى اللّه عليه وسلّم على أنه رسول اللّه ، وإنما رأوه على أنه محمد بن عبد اللّه ، فسكت . واللّه تعالى أعلم . ثم أمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكارم الأخلاق ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 199 إلى 200 ] خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 ) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 200 )