ابن عجيبة

283

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

جمعوا بين تكذيب الآيات وظلم أنفسهم ، أو منقطعا عنها ، بمعنى : وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم ، فإن وباله لا يتخطاها ولذلك قدّم المفعول . ه . مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ، هو تصريح بأن الهدى والضلال بيد اللّه تعالى ، وأنّ هداية اللّه يخص بها بعضا دون بعض ، وأنها مستلزمة للاهتداء ، والإفراد في الأول والجمع في الثاني ؛ لاعتبار اللفظ والمعنى ، تنبيها على أن المهتدين كواحد ؛ لاتحاد طريقهم ، بخلاف الضالين . والاقتصار في الإخبار عمّن هداه اللّه بالمهتدي : تعظيم لشأن الاهتداء ، وتنبيه على أنه ، في نفسه ، كمال جسيم ، ونفع عظيم ، لو لم يحصل له غيره لكفاه ، وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعنوان لها . قاله البيضاوي . الإشارة : في الحديث : « أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه » « 1 » . والعلم النافع هو الذي تصحبه الخشية والمراقبة والتعظيم والإجلال ، ويوجب لصاحبه الزهد والسخاء والتواضع والانكسار ، وهو علم التوحيد الخاص ، الذي هو مشاهدة الحق . وقال الورتجبي في قوله : آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها : ذكر أنه تعالى أعطاه آياته ، ولو أعطاه قرب مشاهدته ما انسلخ منه ، لأن من رآه أحبه ، ومن أحبه استأنس به واستوحش مما سواه ، فمن ذلك تبين أنه كان مستدرجا بوجدان آياته ، وتصديق ذلك ما أخبر سبحانه من ارتداده عن دينه ، واشتغاله بهواه وعداوة كليمه بقوله : فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ، ولو ذاق طعم حبه لم يلتفت إلى غيره ، مكر به في الأزل ، فكان مكره مستداما إلى الأبد ، فالكرامات الظاهرة عارضة للامتحان بين الأزل والأبد ، وعند الأصل القديم لا يعتبر العرض الطارئ . ه . وقال في الإحياء : إن بلعم أوتى كتاب اللّه تعالى فأخلد إلى الشهوات ، فشبه بالكلب ، أي : سواء أوتى الحكمة أو لم يؤتها فهو يلهث إلى الشهوات . ه . وفي ذكر قصته تحذير لعلماء هذه الأمة وصلحائها . وقال الشيخ أبو الحسن رضى اللّه عنه : من أخلدت نفسه إلى أرض الشهوات ، وغلبته عن النهوض إلى الطاعات ، فدواؤه في حرفين ، أحدهما : أن يذكر منّة اللّه عليه بنعمة الإيمان والإسلام ، ويقيد هذه النعمة بالشكر ، لئلا تفلت من يده ، والثاني : أن يتوجه إلى اللّه بالتضرع والاضطرار ، آناء الليل والنهار ، وفي رمضان راجيا الإجابة ، قائلا : اللهم سلّم سلّم . فإن أهمل هاتين الخصلتين فالشقاوة لازمة له . ه . بالمعنى لطول العهد به . وباللّه التوفيق .

--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في الشعب ( باب في نشر العلم - ح 1778 ) وزاد السيوطي في الجامع الصغير ( ح 105 ) عزوه لابن عدى في الكامل والطبراني في الصغير عن أبي هريرة ، وضعّفه .