ابن عجيبة

281

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذكر وبال من نقض هذا العهد ، مع تمكنه من العلم به ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 175 إلى 178 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( 175 ) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 176 ) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ( 177 ) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 178 ) قلت : أتبعه الشيطان : أدركه ، يقال : أتبع القوم : لحقهم ، ومنه : فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ « 1 » أي : لحق بني إسرائيل . قاله في الأساس . يقول الحق جل جلاله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ؛ على اليهود نَبَأَ أي : خبر الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا ؛ علمّا بكتابنا ، فَانْسَلَخَ مِنْها ؛ بأن كفر بها ، وأعرض ، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فأدركه فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ . قال عبد اللّه بن مسعود : هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى عليه السّلام إلى ملك مدين ، داعيا إلى اللّه ، فرشاه الملك ، وأعطاه الملك على أن يترك دين موسى ، ويتابع الملك على دينه ، ففعل وأضل الناس على ذلك . وقال ابن عباس : هو رجل من الكنعانيين ، اسمه : « بلعم » ، كان عنده الاسم الأعظم ، فلما أراد موسى قتل الكنعانيين ، وهم الجبارون ، سألوه أن يدعو على موسى باسم اللّه الأعظم ، فأبى ، فألحوا عليه حتى دعا ألا يدخل المدينة ، ودعا موسى عليه . فالآيات التي أعطيها ، على هذا : اسم اللّه الأعظم ، وعلى قول ابن مسعود : هو ما علمه موسى من الشريعة . قيل : كان عنده من صحف إبراهيم . وقال عبد اللّه بن عمرو بن العاص : هو أمية بن أبي الصلت الثقفي « 2 » ، وكان قد أوتى علما وحكمة ، وأراد أن يسلم قبل غزوة بدر ، ثم رجع عن ذلك ومات كافرا ، وكان قد قرأ الكتب ، وخالط الرهبان ، وسمع منهم أن اللّه تعالى مرسل رسولا في ذلك الزمان ، فرجا أن يكون هو ، فلما بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم حسده ، وقال : ما كنت لأؤمن لرسول ليس من ثقيف .

--> ( 1 ) من الآية 90 من سورة يونس . ( 2 ) أخرجه النسائي في السنن الكبرى ( التفسير - 6 / 348 ) والطبري في تفسيره ( 9 / 120 ) ، قال أبو حيان في البحر : والأولى في مثل هذا - إذا ورد عن المفسرين - أن تحمل أقاويلهم على التمثيل ، لا على الحصر في معين ، فإنه يؤدى إلى الاضطراب والتناقض