ابن عجيبة
271
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ أي : ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل قبله من كتبه ووحيه . وإنما عدل عن التكلم إلى الغيبة ، أي : لم يقل : فآمنوا بالله وآمنوا ؛ لإجراء هذه الصفات عليه ، الداعية إلى الإيمان به واتباعه ، ولذلك قال : وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إلى طريق الحق والرشد ، جعل رجاء الاهتداء آثر الأمرين ؛ تنبيها على أن من صدّقه ، ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو يعد في خطط الضلالة . قاله البيضاوي . الإشارة : لا غنى للمريد عن متابعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولو بلغ ما بلغ ، لقوله تعالى : وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ، وغاية الاهتداء غير متناهية ، لأن أدب العبودية مقرون مع عظمة الربوبية ، فكما أن الترقي في مشاهدة الربوبية لا نهاية له ، كذلك أدب العبودية لا نهاية له ، ولا تعرف كيفية الأدب إلا بواسطة تعليمه عليه الصلاة والسلام ، فواسطة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا تفارق العبد ، ولو عرف ما عرف ، وبلغ ما بلغ . واللّه تعالى أعلم . ثم رجع الحق تعالى إلى الكلام مع بني إسرائيل ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 159 ] وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( 159 ) يقول الحق جل جلاله : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى ، يعنى بني إسرائيل ، أُمَّةٌ طائعة يَهْدُونَ الناس بكلمة الحق ، أو متلبسين بِالْحَقِّ ؛ وهم الذين ثبتوا حين افتتن الناس بعبادة العجل ، والأحبار الذين تمسكوا بالتوراة من غير تحريف ، أو الذين آمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وَبِهِ أي : بالحق يَعْدِلُونَ في أحكامهم وقضاياهم . قال البيضاوي : أتبع ذكرهم ذكر أضدادهم على ما هو عادة القرآن ؛ تنبيها على أن تعارض الخير والشر وتزاحم أهل الحق والباطل أمر مستمر . ه . الإشارة : في كل أمة ، وفي كل عصر ، أمة صالحة ، يبصرون الناس بالحق ، ويدعون إلى اللّه ، فمنهم من يهدى إلى تزيين الظواهر بالشرائع ، وهم العلماء الأتقياء ، ومنهم من يهدى إلى تنوير السرائر بالحقائق ، وهم الصوفية الأولياء ، المحققون بمعرفة اللّه . وبالله التوفيق . ثم ذكر أحوال بني إسرائيل ، فقالوا : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 160 ] وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 160 )