ابن عجيبة

263

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ ؛ وهو ما أمرهم من قتل أنفسهم ، أو الطاعون الذي سلط عليهم ، وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهي ضرب الجزية والهوان إلى يوم القيامة ، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ على الله ، ولا فرية أعظم من فريتهم ، حيث فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى ، ولعله لم يفتر أحد مثلها قبلهم ولا بعدهم ، حيث جعلوا البقر إلههم وإله الرسول ، نسأل اللّه الحفظ . ثم ذكر توبتهم ، فقال : وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ من الكفر والمعاصي ، ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها ؛ من بعد السيئات وَآمَنُوا واشتغلوا بما يقتضيه الإيمان من الأعمال الصالحات ، إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها من بعد التوبة لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وإن عظم الذنب ؛ كجريمة عبدة العجل - وكثر ؛ كجرائم بني إسرائيل . الإشارة : الغضب للّه وبالله ، والأسف على دين اللّه ، من أمارة الغيرة على دين اللّه ، لكنّ صاحب هذا المقام مالك نفسه ، يظهر الغلظة ويبطن الرحمة ، قياما بشهود الحكمة والقدرة ، وأما ما صدر من سيدنا موسى - عليه السّلام - فتشريع لأهل التشريع ، لئلا يقع التساهل في تغيير المناكر . وساق الإمام الهروي هذه الآية في منازل السائرين في باب المراد ، وهو المخصوص من ربه بما لم يرده هو ولا خطر بباله ، والإشارة بذلك إلى الضنائن الذين ورد فيهم الخبر : « إنّ للّه ضنائن من خلقه ، ألبسهم النور السّاطع ، وغذاهم في رحمته ، وفعل بهم وفعل . . . » أورده الإمام أبو نعيم في الحلية « 1 » . وحاصله : أن المرادين هم قوم مخصوصون ، ملطوف بهم ، محمول عنهم ، ومنه : وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ « 2 » فقد خص - عليه الصلاة والسلام - بما لم يخطر على باله قبل النبوة . قال الهروي : والمراد : ثلاث درجات : الدرجة الأولى : أن يعصم العبد وهو مستشرف للجفا ؛ اضطرارا بتنغيص الشهوات وتعويق الملاذ ، وسد مسالك المعاطب عليه ، إكراما ، والدرجة الثانية : أن توضع عن العبد عوراض النقص ، ويعافيه من سمة اللائمة ، ويملكه عواقب الهفوات ، كما فعل لسليمان عليه السّلام في قتل الخيل ؛ حمله على الريح الرخاء ، فأغناه عن الخيل ، وكما فعل لموسى عليه السّلام ؛ حين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه لم يعتب عليه كما عتب على آدم ونوح وداود ويونس - عليهم السلام . ه . قال شارحه الإمام عبد المعطي السكندري : وهذه الدرجة أتم في الحمل علي الأعمال وركوب الأهوال ، والتلطف في تعليم الإقبال مما قبلها ، فإن ما قبلها منع من الشهوات ، وصيانة عن الآفات ؛ جبرا وقهرا وحفظا ، وهذا حفظ عنها ؛ بإظهار صفح برفق وإكرام ولطف ، فتقوى المحبة في القلب ، فيحمل ذلك على سرعة الموافقة ، ومتى

--> ( 1 ) الجزء الأول ص 6 بنحوه عن ابن عمر - مرفوعا . ( 2 ) من الآية 86 من سورة القصص .