ابن عجيبة

260

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وإطفاء نورها ، وإن اجتهدوا ، كما فعل فرعون وغيره ، فعاد عليهم بإعلائها وإظهار نورها ، وذلك التكبر صدر منهم بِغَيْرِ الْحَقِّ أي : تكبروا بما ليس بحق ، وهو دينهم الباطل . وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ منزلة أو معجزة لا يُؤْمِنُوا بِها لعنادهم ، واختلال نظرهم ، بسبب انهماكهم في الهوى وحب الجاه ، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ أي : طريق الصواب والحق يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا لاستيلاء الشيطان عليهم ، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ أي : الضلال يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا أي : يسلكونه ويتبعونه ، لأن سجيتهم الضلال ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي : ذلك الصرف بسبب تكذيبهم وعدم تدبرهم الآيات . وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ أي : وبلقائهم الدار الآخرة ، أو : ما وعد اللّه في الآخرة ، حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ لا ينتفعون بها ، هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي : لا يجزون إلا مقدار أعمالهم . وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً « 1 » . الإشارة : كل من أقامه اللّه في مقام من المقامات ، أو حال من الأحوال ، كيفما كان ، يقال له : خذ ما آتيتك ، واقنع بما أوليتك ، وكن من الشاكرين عليه ، وإلا سلبناك ما أعطيناك ، فالرضا بالقسمة واجب ، وطلب باب الفضل والكرم لازب ، والأمر مبهم ، والعواقب مغيبة ، ومنتهى المقام على التعيين لا يعلم إلا بعد الموت . وقوله تعالى : فَخُذْها بِقُوَّةٍ أي : بجد واجتهاد . قال في الإحياء : الأخذ بالجد أن يكون القارئ متجردا لله عند قراءته ، منصرف الهمة إليه عن غيره ، وهو يشير للحضور . وقوله تعالى : يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها قال الورتجبي : يأخذون بأبينها لهم ، وهي المحكمات التي توجب العبودية ، ويأخذون بمتشابهها التي هي وصف الصفات بحسن الاعتقاد والتسليم فيها ، لأن علومها وحقائقها لا تكشف إلا للربانيين . قال تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ . . . « 2 » الآية . ه . وقوله تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ . قال القشيري : سأحرم المتكبرين بركة الاتباع ، حتى لا يتلقوا الآيات التي يكاشفون بها بالقبول ، ولا يسمعوا ما يخاطبون به بسمع الإيمان . ه .

--> ( 1 ) من الآية 49 من سورة الكهف . ( 2 ) الآية 7 من سورة آل عمران .