ابن عجيبة

253

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أي : نفذت ومضت واستقرت ، والكلمة هنا : ما قضى في الأزل من إنقاذهم من عدوهم ، وقيل : قوله : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ « 1 » وكانت حسنى ؛ لما فيها من النصر والعز ، بِما صَبَرُوا أي : بسبب صبرهم على الشدائد وَدَمَّرْنا أي : خربنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ من القصور والعمارات ، وَما كانُوا يَعْرِشُونَ من البنيان المرتفع كصرح هامان ، أو ما كانوا يرفعون من الكروم في البساتين على العرشان ، فالأول من العرش ، والثاني من العريش . الإشارة : قد جرت عادة اللّه في خلقه أن يظهر الخواص من عباده ، فينكروا أو يستضعفوا ، حتى إذا طهّروا من البقايا وتمكنوا من شهود الحق ، منّ اللّه عليهم بالعز والنصر والتمكين ، فمنهم من يمكن من التصرف في الحس والمعنى ، ويقره الوجود بأسره ، ومنهم من يمكّن من التصرف في الكون بهمته ، ولكنه تحت أستار الخمول ، لا يعرفه إلا من اصطفاه لحضرته ، وهذا من شهداء الملكوت ، ضنّ به الحق تعالى فلم يظهره لخلقه . واللّه تعالى أعلم وأحكم . ثم ذكر نجاة موسى عليه السّلام وقومه من فرعون ، وخروجهم إلى الشام ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 138 إلى 141 ] وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ( 138 ) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 139 ) قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 140 ) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 141 ) يقول الحق جل جلاله : وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ أي : قطعنا بهم الْبَحْرَ ، روى أنهم عبروه يوم عاشوراء ، بعد مهلك فرعون ، فصاموه شكرا ، فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ أي : مروا على قوم من العمالقة ، وقيل : من لخم ، يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ أي : يقيمون على عبادتها ، قيل : كانت تماثيل البقر ، وذلك أول شأن عبادة العجل ،

--> ( 1 ) من الآية 5 من سورة القصص .