ابن عجيبة

248

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم فصّل ما هددهم به ، فقال : لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ من كل شق عضو ، كيد ورجل من كل واحد ، ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ تفضيحا لكم وتنكيلا لأمثالكم ، وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك ، ولكن روى عن ابن عباس وغيره أنه فعله . قيل : إنه أول من سنّ ذلك - أي : القطع من خلاف - فشرعه اللّه للقطاع تعظيما لجرمهم ، فلذلك سماه اللّه محاربة للّه ورسوله . قالُوا أي : السحرة لما خوفهم : إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ بالموت ، فيكرم مثوانا ، فلا نبالى بوعيدك ، كأنهم اشتاقوا إلى اللقاء ، فهان عليهم وعيده ، أو إنا وأنت إلى ربنا منقلبون ، فيحكم بيننا وبينك ، وَما تَنْقِمُ مِنَّا أي : وما تعيب علينا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا ، وهو لا يعاب عند العقلاء ، لأنه خير الأعمال ، وأصل المناقب ومحاسن الخلال ، ثم فزعوا إلى اللّه فقالوا : رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أي : اصبب علينا صبرا يغمرنا ، كما يفرغ الماء على الشيء فيغمره ، وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ثابتين على الإسلام . قال البيضاوي : قيل : إنه فعل بهم ذلك ، وقيل : إنه لم يقدر عليه ، لقوله : أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ « 1 » . ه . وقد تقدم قول ابن عباس وغيره . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : انظر من سبقت له العناية ، هؤلاء السحرة جاءوا يحادون اللّه فأمسوا أولياء اللّه ، فكم من خصوص تخرج من اللصوص ، وانظر أيضا صبرهم وثباتهم على دينهم ، وعدم مبالاتهم بعدوهم ، هكذا ينبغي أن يكون من مراده مولاه ، لا يلتفت إلى شئ سواه ، وعند هذه التصرفات يفتضح المدّعون ويثبت الصادقون ، عند الامتحان يعز المرء أو يهان . ثم قال تعالى في تتمة قصة موسى عليه السّلام : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 127 إلى 129 ] وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ ( 127 ) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 128 ) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 129 )

--> ( 1 ) من الآية 35 من سورة القصص .