ابن عجيبة
241
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولما سرد قصص الأمم السالفة ذكر حاله معهم ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 94 إلى 99 ] وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 95 ) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 96 ) أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ( 97 ) أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 98 ) أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ( 99 ) يقول الحق جل جلاله : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ أي : رسول إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ أي : بالبؤس والضر ، كالقحط والأمراض ، لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ أي : يتضرعون ويتذللون ، ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ الحالة السَّيِّئَةِ الحالة الْحَسَنَةَ أي : أعطيناهم ، بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة ، السلامة والسعة ، حَتَّى عَفَوْا : كثروا عددا وعددا ، يقال : عفا النبات : إذا كثر ، ومنه : « اعفوا اللّحى » « 1 » . وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ؛ كفرا لنعمة اللّه عليهم ، ونسيانا لذكره ، واعتقادا بأنه من عادة الدهر يتعاقب في الناس بين السراء والضراء ، فقد مس آباءنا منه شئ مثل ما مسنا ، فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً : فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بنزول العذاب . وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى المتقدمة في قوله : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ وقيل : مكة وما حولها . وقيل : مطلقا ، آمَنُوا وَاتَّقَوْا مكان كفرهم وعصيانهم ، لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ؛ لوسّعنا عليهم الخير ، ويسرناه لهم من كل جانب . وقيل : المراد : المطر والنبات . وَلكِنْ كَذَّبُوا بالرسل ، وكفروا النعم ، فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من الكفر والمعاصي . أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أي : أبعد ذلك أمن أهل القرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ؟ أي : ليلا ، في حال نومهم . أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا أيضا ضُحًى ؛ ضحوة النهار وَهُمْ يَلْعَبُونَ من
--> ( 1 ) جزء من حديث أخرجه البخاري في ( اللباس - باب إعفاء اللحى ) من حديث ابن عمر رضى اللّه عنه .