ابن عجيبة
24
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وانقطاع من الوحي ، أرسلناه كراهية أَنْ تَقُولُوا يوم القيامة : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ ، فتعتذروا بذلك ، فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ فلا عذر لكم ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على الإرسال من غير فترة ، كما في أنبياء بني إسرائيل ؛ فقد كان بين موسى وعيسى ألف نبي ، وبينهما ألف وسبعمائة سنة ، وعلى الإرسال على الفترة ؛ كما بين عيسى ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . كان بينهما ستمائة سنة ، أو خمسمائة سنة وتسع وستون سنة . قاله البيضاوي . والذي في الصحيح : أن الفترة ستمائة سنة « 1 » ، وفي الصحيح أيضا عنه - عليه الصلاة السّلام - : « أنا أولى النّاس بعيسى في الأولى والآخرة وليس بيننا نبي » « 2 » . وهو يرد ما حكاه الزمخشري وغيره : أن بينهما أربعة أنبياء : ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب ، وهو خالد بن سنان العبسي ؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم . قاله المحشى . الإشارة : ظهور أهل التربية بعد زمان الفترة ، وخمود أنوار الطريقة وأسرار الحقيقة ، حجة على العباد ، ونعمة كبيرة على أهل العشق والوداد ، من انتكب عنهم لقى اللّه بقلب سقيم ، وقامت بهم الحجة عليهم عند الملك الكريم ، ومن اتبعهم وحط رأسه لهم فاز بالخير الجسيم ، والنعيم المقيم ؛ حيث لقى اللّه بقلب سليم ، وقد ظهروا في زماننا هذا بعد اندراس أنوار الطريقة ، وخمود أسرار الحقيقة ، فجدد اللّه بهم الطريقة ، وأحيا بهم أسرار الحقيقة ، منهم شيخنا أبو المواهب صاحب العلوم اللدنية والأسرار الربانية ، البحر الفياض ، سيدي محمد بن أحمد البوزيدى الحسنى ، وشيخه القطب الواضح ، والجبل الراسخ ، شيخ المشايخ ، مولاي العربي الدرقاوى الحسنى ، أطال اللّه بركاتهما للأنام ، فقد تخرج على أيديهما الجم الغفير من الأولياء . وليس الخبر كالعيان . وبالله التوفيق . ثم ذكّرهم بالنعم على لسان نبيه موسى - عليه السّلام - فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 20 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 20 ) يقول الحق جل جلاله : وَ اذكر إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ : يا بني إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ يسوسونكم ، كلما مات نبي خلفه نبي ، فقد شرفكم بهم دون غيركم ، إذ لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء ، وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً أي : جعل منكم ملوكا ، وقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء ، فكان كل نبي معه ملك ينفذ أحكامه ، فكانت دار النبوة ودار المملكة معلومة ، يخلف بعضهم بعضا في النبوة والملك ، استمر ذلك لهم ، حتى قتلوا يحيى ، وهموا بقتل عيسى ، فنزع اللّه منهم الملك ، وأنزل عليهم الذل والهوان . وقيل : لمّا كانوا مملوكين في أيدي القبط ، فأنقذهم اللّه وجعلهم مالكين لأنفسهم ، سماهم ملوكا .
--> ( 1 ) جاء ذلك فيما أخرجه البخاري في ( مناقب الأنصار - باب إسلام سلمان الفارسي رضي اللّه عنه ) عن سلمان قال : ( فتره بين عيسى ومحمد صلّى اللّه عليهما - ستمائة سنة ) . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( كتاب الأنبياء ، باب : واذكر في الكتاب مريم ) ومسلم في ( الفضائل ، باب فضائل عيسى عليه السّلام ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه .