ابن عجيبة

236

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذكر قصة لوط عليه السّلام ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 80 إلى 84 ] وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ( 80 ) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ( 81 ) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ( 82 ) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ( 83 ) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 84 ) قلت : ( شهوة ) : مفعول له ، أو مصدر في موضع الحال . يقول الحق جل جلاله : وَ أرسلنا لُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ ؛ واعظا لهم : أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي : اللواط ؛ توبيخا وتقريعا على تلك الفعلة المتناهية في القبح ، ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ أي : ما فعلها أحد قبلكم ، وبخهم على أمرين : إتيان الفاحشة ، واختراعها أولا ، ثم قال لهم : إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ ، وصفهم بالشهوة البهيمية ، وفيه تنبيه على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة : طلب الولد وإبقاء النوع لا قضاء الوطر ، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ أي : عادتكم السرف في كل شئ ، حتى تجاوزتم ما أحل الله لكم من النساء إلى ما حرم عليكم من إتيان الذكور ، وهو إضراب عن الإنكار إلى الإخبار بحالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها ؛ وهي اعتياد الإسراف في كل شئ ، أو عن الإنكار عليها إلى الذم لهم على جميع معايبهم ، أو عن محذوف ، مثل : لا عذر لكم فيه ، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف . قاله البيضاوي . وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ له حين وعظهم ، إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ أي : لوط ومن آمن به ، مِنْ قَرْيَتِكُمْ أي : ما أجابوه بشئ يصلح للجواب ، لكن قابلوا نصحه بالأمر بإخراجه من قريتهم ، والاستهزاء بهم ، حيث قالوا : إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ من الفواحش . قال تعالى : فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ أي : من آمن معه ، إِلَّا امْرَأَتَهُ فإنها كانت تسر الكفر ؛ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أي : الباقين في ديارهم فهلكوا وهلكت معهم . وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً أي : نوعا عجيبا من المطر ، بيّنه بقوله : وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ « 1 » ، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ .

--> ( 1 ) الآية 74 من سورة الحجر .