ابن عجيبة
228
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم شرع في ذكر قصص الأنبياء مع أممهم ، تفصيلا لقوله : ( وكم من قرية أهلكناها . . ) . . . الآية ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 59 إلى 64 ] لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 59 ) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 60 ) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 61 ) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 62 ) أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 63 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ ( 64 ) قلت : ( أو عجبتم ) : الهمزة للإنكار ، والواو للعطف ، والمعطوف عليه محذوف ، أي : أكذبتم وعجبتم ، و ( في الفلك ) : يتعلق بأنجينا ، أو بمن معه ، أو حال من الموصول . يقول الحق جل جلاله : لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن إدريس ، نبىء بعده « 1 » ، بعث وهو ابن خمسين سنة أو أربعين ، وعاش ألفا وثلاثمائة سنة ، فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يستحق أن يعبد ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ ، إن لم تؤمنوا وتوحدوا اللّه عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهو يوم القيامة ، أو يوم نزول الطوفان . قالَ الْمَلَأُ أي : الأشراف مِنْ قَوْمِهِ ؛ لأنهم يملأون العيون عند رؤيتهم ، قالوا له : إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي : في خطأ بيّن عن الحق ، قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ أي : ليس بي شئ من الضلال ، بالغ لهم في النفي كما بالغوا له في الإثبات ، وعرض لهم به ، وتلطف لهم في القول ، وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أي : لست في ضلال كما اعتقدتم ، ولكني في غاية من الهدى ؛ لأنى رسول من رب العالمين ، أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي كما أمرني ، وَأَنْصَحُ لَكُمْ جهدي ، وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من صفاته الجلالية والجمالية ومن رحمته وعذابه ، أو من قدرته وشدة بطشه ، أو أعلم من جهة وحيه أشياء لا علم لكم بها ، وجمع الرسالات ؛ لاختلاف أوقاتها ، أو لتنوع معانيها ، كعلم العقائد والمواعظ والأحكام .
--> ( 1 ) أي : بعد إدريس - عليه السلام .