ابن عجيبة

225

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وهي حياته القديمة الأزلية الباقية ، المنزهة عن همهمة الأنفاس والمشابهة والقياس - فقامت الأشياء بصفاته القائمة بذاته ، ويكون إلى الأبد ؛ لحياتها بروح حياته ، المقدسة عن الاتصال والانفصال . قلت : وهي المعبّر عنها بالمعاني القائمة بالأوانى . ثم قال : وفي أدق الإشارة : السماوات : الأرواح ، والأرض : الأشباح ، والعرش : القلوب ، بدأ بكشف الصفات للأرواح ، وبدأ بكشف الأفعال للأشباح ، ثم بدأ بكشف الذات للقلوب ؛ لأن مناظر القلوب للغيوب ، والغيوب من القلوب محل تجلى استواء القدم ، استوى قهر القدم ، بنعت الظهور للعدم ، أي : فتلاشى العدم ، ثم استوى تجلى الصفات على الأفعال ، واستوى تجلى الذات على الصفات ، فاستوى بنفسه لنفسه ، المنزه عن المباشرة بالحدثان والاتصال والانفصال عن الأكوان . قلت : أي : إذ لا حدثان ولا أكوان ؛ لأنها لما قرنت بالقدم تلاشت ، وما بقي إلا نعت القدم . ثم قال : خصّ السماوات والأرض بتجلى الصفات ، وخص العرش بتجلى الذات . قلت : لأن المعاني المستولية على العرش باقية على أصلها ، وهي أسرار الذات لم تتردّ برداء الكبرياء ، وهو حجاب الحس الظاهر ، بخلاف المعاني القائمة بالأوانى ، وهي أنوار الصفات ، تجلت مرتدية بحجاب القهرية ، فقيل لها : تجلى الصفات . ثم قال : السماوات والأرض جسد العالم ، والعرش قلب العالم ، والكرسي دماغ العالم ، خص الجميع بالأفعال والصفات ، وخص العرش بظهور الذات ؛ لأنه قلب الكل ، وهو غيب الرحمن وعلمه وحكمته ، رأيته في المكاشفة أنوارا شعشعانيا ، بلا جسم ولامكان ولا صورة ، يتلألأ ، فسألت عن ذلك ، فقيل لي : هذا عالم يسمى عرشا . انتهى . قلت : وأقرب من هذا كله : أن العرش قد استولى على ما في جوفه من العوالم ، حتى صارت في وسطه كلا شئ ، ومعاني أسرار الربوبية ، وهي العظمة الأصلية - قد استولت عليه ، وأحاطت به ، ومحت وجوده ، فعبّر الحق - جل جلاله - عن استيلاء هذه العظمة - التي هي أسرار الربوبية - على العرش بالاستواء . وإلى هذا أشار في الحكم العطائية بقوله : « يا من استوى برحمانيته على عرشه ، فصار العرش غيبا في رحمانيته ، كما صارت العوالم غيبا في عرشه ، محققت الآثار بالآثار ، ومحوت الآثار - وهي العرش وما احتوى عليه - بمحيطات أفلاك الأنوار » وهي أسرار الذات المحيطات بالآثار ، من العرش إلى الفرش ، فعبّر عن المعاني المستولية على العرش بالرحمانية ؛ لأن الرحمانية صفة الذات ، والصفة لا تفارق الموصوف ، فافهم . قلت : ومن كحل عينه بإثمد توحيد الذات لا يستبعد أن يكون الحق - جل جلاله - يتجلى بتجل خاص من أسرار ذاته وأنوار صفاته ، يستوى بتلك العظمة على العرش ، كما يتجلى يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده ، إذ تجلياته لا تنحصر ، بل كل ما ظهر في عالم الشهادة فإنما هو نور من تجلى ذاته وصفاته . وهذا القدر كاف لمن شم شيئا