ابن عجيبة

223

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ استواء يليق به ، والعرش : جسم عظيم محيط بالأكوان . سمى به ؛ لارتفاعه ، وللتشبيه بسرير الملك ، فالأكوان في جوفه ممحوقة ؛ فقد استولى عليها ومحقها ، كذلك أسرار معاني الربوبية الأزلية قد استولت عليه ومحقته ، فيمكن أن يكون الحق تعالى عبّر بالاستواء عن هذا الاستيلاء ، وسيأتي في الإشارة تمامه إن شاء اللّه . وقال القشيري : ثم استوى على العرش ، أي : توحّد بجلال الكبرياء بوصف الملكوت ، وملوكنا إذا أرادوا التجلّى والظهور للحشم والرعية ؛ برزوا لهم على سرير ملكهم في إيوان مشاهدتهم . فأخبر الحقّ - سبحانه وتعالى - بما يقرب من فهم الخلق ، بما ألقى إليهم من هذه الكلمات ، بأنه استوى على العرش ، ومعناه : اتصافه بعز الصمدية وجلال الأحدية ، وانفراده بنعت الجبروت وجلاء الربوبية ، وتقدّس الجبّار عن الأقطار ، والمعبود عن الحدود . ه . يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أي : يغطى نور النهار بظلمة الليل ، يَطْلُبُهُ حَثِيثاً أي : يعقبه سريعا ؛ كالطالب له ، لا يفصل بينهما شئ ، وَ خلق الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أي : بقضائه وتصريفه ، ومن عجائب تسخيرها أن جعلها مقرونة بأمور غيبية ، دالة على ظهور شئ منها . والنهى عن النظر في النجوم أو تصديق المنجمين ؛ إنما هو لمن اعتقد التأثير لها مستقلة بنفسها ، أو تصديقهم في تفصيل ما يخبرون به ؛ لأنهم إنما يقولون ذلك عن ظن وتخمين وجهل ، فإنّ علم النجوم كان معجزة لبعض الأنبياء ، ثم اندرس ذلك العلم ، فلم يبق إلا ما هو مختلط ، لا يتميز فيه الصواب من الخطأ ، فاعتقاد كون الكواكب أسبابا لآثار يخلق اللّه - تعالى - بها في الأرض ، وفي النبات والحيوان شيئا ، يعنى في الجملة ليس قادحا في الدين ، بل هو الحق ، ولكن دعوى العلم بتلك الآثار على التفصيل مع الجهل : قادح في الدين ، فالكواكب ما خلقت عبثا ، ولهذا نظر عليه الصلاة والسلام إلى السماء ، وقرأ قوله تعالى : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا . . . الآية « 1 » . انظر : الإحياء للغزالي . ثم قال تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ أي : الإيجاد والتصرف بالأمر والنهى ، تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي : تعاظم في ألوهيته ، وتعالى في ربوبيته ، وتفرد في وحدانيته . قال البيضاوي : ( وتحقيق الآية - واللّه أعلم - أن الكفرة كانوا متخذين أربابا ، فبيّن لهم أن المستحق للربوبية واحد - وهو اللّه تعالى ؛ لأنه الذي له الخلق والأمر ، فإنه تعالى خلق العالم على ترتيب قويم ، وتدبير حكيم ؛ فأبدع الأفلاك العلوية ، والأجرام السفلية ، ثم بعد تمام خلق عالم الملك أخذ في تدبيره ؛ كالملك الجالس على عرشه

--> ( 1 ) الآية 191 من سورة آل عمران .