ابن عجيبة

220

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( ما أغنى ) : استفهامية أو نافية ، و ( ما كنتم ) : مصدرية ، و ( ادخلوا ) : محكى بقول محذوف ، أي : قيل لهم ادخلوا . . . إلخ . يقول الحق جل جلاله : وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا من رؤساء الكفرة ، يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ ؛ بعلامة فيهم من سوء حالهم ، قالُوا لهم : ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ أي : كثرتكم ، أو جمعكم للمال ، شيئا أو أىّ شئ أغنى عنكم جمعكم ، وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ؟ أي : واستكباركم ؟ أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ وهم ضعفاء المسلمين الذين كانت الكفرة تستحقرهم في الدنيا ، ويحلفون أن اللّه لا يدخلهم الجنة ، قد قيل لهم : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ . أو تقول الملائكة لأهل الأعراف : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ، بعد أن حبسوا على الأعراف حتى أبصروا الفريقين وعرفوهم ، وقالوا لهم ما قالوا ، تفضل اللّه عليهم ، فقيل لهم : ادخلوا الجنة . وقيل : لما عيّر أصحاب الأعراف أهل النار ، أقسموا - أي : أهل النار - أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة ، فقال لهم اللّه تعالى : أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ، ادْخُلُوا يا أهل الأعراف الْجَنَّةَ . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : أصحاب الأعراف : قوم من الصالحين حصل لهم محبة القوم ، ليسوا من عوام أهل اليمين ولا من خواص المقربين ، فإذا نظروا إلى أهل الطعن على الفقراء المتوجهين ، والترفع عليهم ، قالوا لهم : ما أغنى عنكم جمعكم واستكباركم ، أهؤلاء الذين كنتم تطعنون عليهم ، وأقسمتم أنهم ليسوا على شئ ؟ قد قيل لهم : ادخلوا جنة المعارف لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ، وأنتم حصل لكم الخيبة ، والحرمان ، والأسر في أيدي النفوس ، والحصر في سجن الأكوان . عائذا بالله من ذلك . ثم ذكر استغاثة أهل النار بأهل الجنة ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 50 إلى 53 ] وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ ( 50 ) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ( 51 ) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 53 )