ابن عجيبة

22

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بعبارة اللسان كفّر وزندق ، وهذه المعاني هي الخمرة الأزلية التي كانت خفية لطيفة ، ثم ظهرت محاسنها ، وأبدت أنوارها وأسرارها ، وهي أسرار الذات وأنوار الصفات ، فمن عرفها وكوشف بها . اتحد عنده الوجود ، وأفضى إلى مقام الشهود . وهي منزهة عن الحلول والاتحاد ، إذ لا ثاني لها حتى تحل فيه أو تتحد معه ، وقد أشرت إلى هذا المعنى في تائيتى الخمرية ، حيث قلت : تنزّهت عن حكم الحلول في وصفها * فليس لها سوى في شكله حلّت تجلّت عروسا في مرائي جمالها * وأرخت ستور الكبرياء لعزّتى فما ظاهر في الكون غير بهائها * وما احتجبت إلا لحجب سريرتي فمن كوشف بأسرار هذه الخمرة ، لم ير مع الحق سواه . كما قال بعض العارفين : ( لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع ؛ فإنه لا غير معه حتى أشهده ) . ولو أظهرها اللّه تعالى للكفار لوجدوا أنفسهم عابدة لله دون شئ سواه ، وفي هذا المعنى يقول ابن الفارض على لسان الحقيقة : فما قصدوا غيره وإن كان قصدهم * سواي وإن لم يظهروا عقد نيّة والنصارى - دمرهم اللّه في مقام الفرق والضلال - حملهم الجهل والتقليد الردىّ على مقالالتهم التي قالوا في عيسى عليه السّلام . ثم ذكر مقالة أخرى لليهود والنصارى ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 18 ] وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 ) يقول الحق جل جلاله : وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ أي : أولاد بنيه ؛ فاليهود يقولون : نحن أولاد عزير ، والنصارى يقولون : نحن أشياع عيسى . أو : فينا أبناء اللّه ونحن أحباؤه ، أو : نحن مقربون عند اللّه كقرب الولد من والده . وهذه دعوى ردّها عليهم بقوله : قُلْ لهم : فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ، وهل رأيتم والدا يعذب ابنه ، وقد عذبكم في الدنيا بالمسخ والقتل والذل ، وقد اعترفتم أنه يعذبكم بالنار أياما معدودة ، بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ أي : ممن خلقه اللّه ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ بفضله ؛ وهو من آمن منهم بالله ورسله ، وَيُعَذِّبُ مَنْ