ابن عجيبة
217
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : جملة ( لا نكلف ) : معترضة بين المبتدأ والخبر ؛ للترغيب في اكتساب النعيم المقيم ، بما تسعه طاقتهم ، ويسهل عليهم ، و ( ما كنا لنهتدى ) : اللام لتأكيد النفي ، وجواب « لولا » : محذوف ، أي : لولا هدايته إيانا ما اهتدينا . يقول الحق جل جلاله : وَالَّذِينَ آمَنُوا بالرسل ، وَعَمِلُوا الأعمال الصَّالِحاتِ على قدر طاقتهم ، لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي : ما تسعه طاقتها ، فمن فعل ذلك ف أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ أي : نخرج من قلوبهم كل غل وعدواة ، ونطهرها منه ، حتى لا يكون بينهم إلا التودد ، فيصيرون أحبابا وإخوانا ، وإنما عبّر بالماضي ؛ لتحقق وقوعه ، كأنه وقع ومضى ، وكذلك ما يجئ بعدها ، ثم وصف الجنة فقال : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ أي : من تحت قصورهم ، الْأَنْهارُ ؛ من عسل وخمر وماء ولبن ؛ زيادة في لذتهم وسرورهم ، فالقصور مرتفعة في الهواء ، والأنهار تجرى تحتها . وَقالُوا حينئذ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أي : لما جزاؤه هذا النعيم من الإيمان في الدنيا والعمل الصالح ، وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ بأنفسنا لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ بتوفيقه وإرادته ، لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فاهتدينا بإرشادهم ، يقولون ذلك اغتباطا وتبجحا بأن ما عملوه في الدنيا يقينا ، صار لهم عين اليقين في الآخرة ، وَنُودُوا أي : نادتهم الملائكة ، أو الحق تعالى : أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أي : هذه الجنة أُورِثْتُمُوها أي : أعطيتموها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي : بسبب أعمالكم ، وهذا باعتبار الشريعة ، وأما باعتبار الحقيقة فكل شئ منه وإليه . ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لن يدخل الجنّة أحدكم عمله ، قالوا : ولا أنت ، قال : ولا أنا ، إلّا أن يتغمّدنى اللّه برحمته » « 1 » . فالشريعة تنسب العمل للعبد ، والحقيقة تعزله عنه ، وقد آذنت بها الآية قبله بقوله : وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ ، فقد نطقوا بما تحققوا به يوم القيامة . وقال القشيري : إنما قال : أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؛ تسكينا لقلوبهم ، وتطييبا لهم ، وإلّا ، فإذا رأوا تلك الدرجات ، علموا أن أعمالهم المشوبة لم تبلغ تلك الدرجات . ه . وعن ابن مسعود أنه قال : ( يجوزون الصراط بعفو اللّه ، ويدخلون الجنة برحمة اللّه ، ويقتسمون المنازل بأعمالهم ) . ه . الإشارة : والذين آمنوا بطريق الخصوص ، وعملوا الأعمال التي تناسبها ، من خرق العوائد واكتساب الفوائد ، والتخلية من الرذائل والتحلية بأنواع الفضائل على حسب الطاقة ؛ أولئك أصحاب جنة المعارف ، هم فيها خالدون في الدنيا والآخرة ، قد نزع اللّه من قلوبهم المساويء والأكدار ، وطهّرها من جملة الأغيار ، حتى صاروا إخوانا متحابين ؛ لا لغو بينهم ولا تأثيم ، تجرى من تحت أفكارهم أنهار العلوم ، وتفتح لهم مخازن الفهوم ، فإذا تمكنوا من
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الرقاق ، باب القصد والمداومة على العمل ) من حديث السيدة عائشة - رضى اللّه عنها .