ابن عجيبة
215
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
بالاقتداء بها ، حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا أي : تداركوا وتلاحقوا ، فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ ؛ دخولا أو منزلة ، وهم الأتباع السفلة ، لِأُولاهُمْ وهم المتبوعون الرؤساء - أي : قالت لأجلهم ؛ لأن الخطاب مع اللّه لا معهم ، قالوا : رَبَّنا هؤُلاءِ الرؤساء أَضَلُّونا ؛ حيث سنّوا لنا الضلال فاقتدينا بهم ، فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً أي : مضاعفا مِنَ النَّارِ ؛ لأنهم ضلوا وأضلوا . قالَ تعالى : لِكُلٍّ واحد منكم ضِعْفٌ أي : عذابا مضعفا ، أما القادة ؛ فلكفرهم وتضليلهم ، وأما الأتباع ؛ فلكفرهم وتقليدهم ، وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ ما لكم ، أو ما لكل فريق منكم . وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ أي : المتبوعون للأتباع : فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ في الإيمان والتقوى توجب أن يكون عذابنا أشد من عذابكم ، حتى يتضاعف علينا العذاب دونكم ؛ فإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب ، فَذُوقُوا أي : باشروا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ؛ هو من قول القادة ، أو من قول اللّه - تعالى - لجميعهم . الإشارة : إذا قامت القيامة تحققت الحقائق ، وتميزت الطرائق ، للخاص والعام ، فيرتفع المقربون في أعلى عليين ، ويبقى أهل اليمين في أسفل منازل أهل الجنة مع عوام المسلمين ، فيتعلق عوامهم بخواصهم ، فيقولون لهم : أنتم رددتمونا عن صحبة هؤلاء ، وأنتم خذلتمونا عنهم ، ثم يقولون : ربنا هؤلاء أضلونا عن صحبة هؤلاء المقربين ، فآتهم حجابا ضعفا مما لنا ، قال : لكل ضعف من الحجاب ، هم بتضليلهم لكم عن صحبتهم ، وأنتم بتقليدكم لهم ، ولكن لا تعلمون ما أعددت للمقربين حين صبروا على جفاكم ، وتحملوا مشاق طاعتي ومعرفتي ؛ لأن كل آية في الكفار تجر ذيلها على أهل الغفلة من المؤمنين . واللّه تعالى أعلم . ثم حرّم على الكفار دخول الجنة ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 40 إلى 41 ] إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ( 40 ) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 41 ) قلت : ( سمّ الخياط ) : عين الإبرة ، وفي السين : الفتح والكسر والضم ، والخياط : ما يخاط به ، على وزن حزام ، والتنوين في ( غواش ) : للعوض عن الياء ، عند سيبويه ، وللصرف عند غيره . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عن : الإيمان بها ، لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ ؛ لأدعيتهم وأعمالهم ؛ فلا تقبل ، أو : لا تفتح لأرواحهم إذا ماتوا ، بل تغلق دونها إذا وصلت بها