ابن عجيبة

210

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وهذا تعليل لخذلانهم وتحقيق لضلالتهم ، وَيَحْسَبُونَ أي : يظنون أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ؛ فهم على جهل مركب ، وفيه دليل على أن الكافر المخطئ والمعاند : سواء في الذم واستحقاق العذاب ؛ إذ لا يعذر بالخطأ في أمر التوحيد . الإشارة : تقليد الآباء في المساويء من أقبح المساويء ، واحتجاج العبد بتخليته مع هواه هو ممن اتخذ إلهه هواه ، إن اللّه لا يأمر بالفحشاء ، فإذا قال العبد - في حال انهماكه : هكذا أحبني ربى ، فهو خطأ في الاحتجاج ؛ بل يجاهد نفسه في الإقلاع ، ويتضرع إلى مولاه في التوفيق ؛ فإن الحق تعالى إنما يأمر بالعدل والإحسان ، ودوام الطاعة والإذعان ، والخضوع للّه في كل زمان ومكان ، والتحقق بالإخلاص في كل أوان ، وإفراد المحبة والولاية للكريم المنان . وباللّه التوفيق . ثم أمرهم بستر العورة في الصلاة والطواف ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 31 ] يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( 31 ) يقول الحق جل جلاله : يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ أي : ثيابكم التي تستر عورتكم ، عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ لطواف أو صلاة ، واحتج به من أوجب ستر العورة في الصلاة ، ومن السّنة أن يأخذ الرجل أحسن ثيابه للصلاة ، وقيل : المراد بالزينة : زيادة على الستر ، كالتجمل للجمعة بأحسن الثياب وبالسواك والطيب ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ؛ أمر إباحة ؛ لما روى أن بنى عامر ، في أيام الحج ، كانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتا ، ولا يأكلون دسما ؛ يعظمون بذلك حجهم ، وهمّ المسلمون بذلك ، فنزلت . وَلا تُسْرِفُوا ؛ بتحريم الحلال ، أو بالتقدم إلى الحرام ، أو بإفراط الطعام والشره إليه ، وقد عدّ في الإحياء من المهلكات : شره الطعام ، وشره الوقاع ، أي : الجماع . إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ؛ لا يرتضى فعلهم . وعن ابن عباس رضى اللّه عنه : ( كل ما شئت ، والبس ما شئت ، ما أخطأتك خصلتان : سرف ومخيلة ) « 1 » أي : تكبر . وقال علي بن الحسين بن واقد : جمع اللّه الطب في نصف آية ؛ فقال : كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا . الإشارة : إنما أمر الحق - جل جلاله - بالتزين للصلاة والطواف ؛ لأن فيهما الوقوف بين يدي ملك الملوك ، وقد جرت عادة الناس في ملاقاة الملوك : التهيؤ لذلك بما يقدرون عليه من حسن الهيئة ؛ لأن ذلك زيادة تعظيم

--> ( 1 ) أخرجه ابن أبي شبية في المصنف ( الأدب واللباس ) موقوفا على ابن عباس رضى اللّه عنه . وأخرجه مرفوعا النسائي في ( الزكاة ، باب الاختيال في الصدقة ) وابن ماجة في ( اللباس ، باب البس ما شئت ما أخطأك سرف أو مخيلة ) وأحمد في المسند 2 / 181 عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة » .