ابن عجيبة
208
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم حذّرهم من الشيطان ، وأعلمهم بسابق عداوته ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 27 ] يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 27 ) يقول الحق جل جلاله : يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ ؛ بأن يشغلكم عما يقربكم إلى اللّه ، ويحملكم على ما يمنعكم من دخول جنته ، كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بسبب غروره ، والنهى ، في اللفظ ، للشيطان ، والمراد : نهيهم عن اتباعه . حال كون أبويكم يَنْزِعُ الشيطان عَنْهُما لِباسَهُما بسبب غروره لهما ، وإسناد النزع إليه : مجاز ؛ للسببية ؛ لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ، وهو تعليل للنهي ، وتحذير من فتنته ، و قَبِيلُهُ : جنوده . ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة لا يقتصى امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا ، وقد جاءت في رؤيتهم أحاديث صحيحة ؛ فتحمل الآية على الأكثر والغالب . قال تعالى : إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ؛ بما أوجدنا بينهم من التناسب ، أو بإرسالهم عليهم ، وتمكينهم من خذلانهم ، وحملهم على ما سولوا لهم ، والآية هي مقصود القصة وفذلكة الحكاية . قاله البيضاوي . الإشارة : الحكمة في خلق الشيطان هي كونه منديلا تمسح فيه أوساخ الأقدار ، وكونه يحوش أولياء اللّه إلى اللّه ، كلما نخسهم بنزعه فزعوا إلى مولاهم ، فلا يزال بهم كذلك حتى يوصلهم إلى حضرته ، فحينئذ ينقاد إليهم ، ويخدمهم بأولاده . وفي الحكم : « إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك ، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده » . قال محمد بن واسع : تمثل لي الشيطان في طريق المسجد ، فقال لي : يا ابن واسع ، كلما أردتك وجدت بيني وبينك حجابا ، فما ذاك ؟ قال : أقرأ ، كلما أصبحت : اللهم إنك سلطت علينا عدوا من أعدائنا ، بصيرا بعيوبنا ، مطلعا على عوراتنا ، يرانا هو وقبيله من حيث لانراهم ، اللهم آيسه منا كما آيسته من رحمتك ، وقنطه منا كما قنطته من عفوك ، وباعد بيننا وبينه كما باعدت بين المشرق والمغرب - وفي رواية : كما باعدت بينه وبين جنتك - إنك على كل شئ قدير . ه . ثم ذكر مساوئ أولياء الشيطان ، فقال :