ابن عجيبة
204
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وعصى . وهذا الطرد كان في علمه تعالى ، ولكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأسباب وارتباطها بالمسببات ، فكان امتناعه واعتراضه سببا لإظهار ما سبق له في علم اللّه ، كما كانت وسوسته لآدم سببا في إظهار خروجه من الجنة السابق في علم اللّه . وأما تمكينه من دخول الجنة ؛ فليتسبب عنه هبوط آدم الذي سبق في علمه ؛ لأن الحكمة اقتضت أن لكل شئ سببا . أما تسلطه على أولاده ، فليكون منديلا تمسح به أو ساخ الأقدار ؛ إذ إن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان إنما هو بمشيئة الواحد القهار ، ولا فعل لغيره ، لكن الحق تعالى علمنا الأدب ، فخلق الشيطان والنفس والهوى مناديل ، فما كان فيه كمال نسبه لله ، وما كان فيه نقص نسبه للشيطان والنفس ؛ أدبا مع الحضرة . وأما إمهاله ؛ فليدوم هذا المنديل عندهم ، يمسحون فيه أوساخ المقادير التي تجرى عليهم إلى انقضاء وجودهم . وقوله : ( معلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا ) ، مغالطة ؛ لأن حكمته تعالى اقتضت وجود الضدين : الخير والشر ، وبهما وقع التجلي والظهور ؛ ليظهر آثار أسمائه تعالى ؛ فإن اسمه المنتقم والقهار يقتضى وجود الشر ، فيما نفهم ، وليظهر انتقامه وبطشه للعيان ، ومعلوم أن الملك إذا وصف بوصف جلالي أو جمالى لا يظهر شرف ذلك الاسم إلا بظهور آثاره في مملكته . وقوله : ( إنك ما عرفتني . . ) إلخ . . يقتضى أنه لو عرف اللّه حق معرفته لفهم أسرار هذه الأشياء التي اعترض بها على ما بيناها . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الأكوان ظاهرها أغيار ، وباطنها أنوار وأسرار ، فمن وقف مع ظاهرها لزمه الاعتراض والإنكار ، ومن نفذ إلى شهود باطنها لزمه المعرفة والإقرار ، ولعل إبليس لم ير - في حال الأمر بالسجود - من آدم إلا الأغيار ، ولو رأى باطنه لكان أول ساجد للّه الواحد القهار . ثم ذكر دخول آدم الجنة وخروجه منها ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 19 إلى 25 ] وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 19 ) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ( 20 ) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ( 21 ) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 22 ) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 24 ) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ ( 25 )