ابن عجيبة
200
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
« إذا التبس عليك أمران ، فانظر أثقلهما على النفس فاتبعه ؛ فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا » . وقال أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه : والله ما ثقل ميزان عبد إلا باتباعه الحق ، وما خف إلا باتباعه الهوى . قال تعالى : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ . ه . بمعناه ، ذكره في القوت . وهذا في غير النفس المطمئنة ، وأما هي فلا يثقل عليها شئ ، وقد يثقل عليها الباطل ، ويخف عليها الحق ، لكمال رياضتها . واللّه تبارك وتعالى أعلم . ثم ذكّرهم بالنعم ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 10 ] وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 10 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ ؛ تتصرفون فيها بالبناء والسكن ، وبالغرس والحرث والزرع ، وغير ذلك من أنواع التصرفات ، وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ : أسبابا تعيشون بها ؛ كالتجارة وسائر الحرف ، قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ على هذه النعم ، فتقابلون المنعم بالكفر والعصيان ، فأنتم جديرون بسلبها عنكم ، وإبدالها بالنقم ، لولا فضله ورحمته . الإشارة : نعمة التمكين في الأرض متحققة في أهل التجريد ، المنقطعين إلى اللّه تعالى ، فهم يذهبون في الأرض حيث شاءوا ، ومائدتهم ممدودة يأكلون منها حيث شاءوا ، فهم متمكنون من أمر دينهم ؛ لقلة عوائدهم ، ومن أمر دنياهم ؛ لأنها قائمة بالله ، تجرى عليهم أرزاقهم من حيث لا يحتسبون ، تخدمهم ولا يخدمونها ؛ « يا دنياي اخدمي من خدمنى ، وأتعبى من خدمك » . فمن قصّر منهم في الشكر توجه إليه العتاب بقوله : وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ إلى قوله : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ، ومن تحقق شكره قيل له : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ « 1 » . واللّه تعالى أعلم . ولما ذكر نعمة الإمداد أتبعه بنعمة الإيجاد ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 11 إلى 18 ] وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 11 ) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 12 ) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 13 ) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 14 ) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 15 ) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ( 17 ) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ( 18 )
--> ( 1 ) الآيتان : 5 - 6 من سورة القصص .