ابن عجيبة

198

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : كثيرا من القرى أَهْلَكْناها لما عصت أمرنا ، وخالفت ما جاءت به رسلنا ، فَجاءَها بَأْسُنا أي : عذابنا بَياتاً أي : ليلا ، كقوم لوط ؛ قلبت مدينتهم ، عاليها سافلها ، وأرسلت عليهم الحجارة بالسّحر ، أَوْ هُمْ قائِلُونَ نصف النهار ، كقوم شعيب ، نزلت عليهم نار فأحرقتهم ، وهو عذاب يوم الظلة ، وإنما خص الوقتين ؛ لأنهما وقت دعة واستراحة ، فيكون مجيىء العذاب فيهما أفظع . فَما كانَ دَعْواهُمْ أي : دعاؤهم واستغاثتهم حين جاءهم بأسنا ، إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ أي : إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وبطلانه ، تحسرا ، أو : ما كان دعاؤهم إلا قولهم : . . يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ، فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ « 1 » : ميتين ، فإذا أحييناهم وبعثناهم من قبورهم ، فو اللّه فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ عن قبول الرسالة وإجابة الرسل ، وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ عما أجيبوا به ، والمراد بهذا السؤال : توبيخ الكفرة وتقريعهم ، وأما قوله تعالى : وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ « 2 » فالمنفى : سؤال استعلام ؛ لأن اللّه أحاط بهم علما ، أو الأول في موقف الحساب ، وهذا عند حصول العقاب . فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ أي : على الرسل والأمم ، فنقص على الرسل ما قوبلوا به من تصديق أو تكذيب ، وعلى الأمم ما قابلوا به الرسل من تعظيم أو إنكار ، أو فلنقص على الرسل ما علمنا من قومهم حين يقولون : لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ « 3 » . نقص ذلك عليهم بِعِلْمٍ وتحقيق ؛ لاطلاعنا على أحوالهم ، وإحاطة علمنا بسرهم وعلانتيهم . وَما كُنَّا غائِبِينَ عنهم ، فيخفى علينا شئ من أحوالهم ، بل كنا حاضرين لديهم ، محيطين بسرهم وعلانيتهم . الإشارة : ما أهلك اللّه قوما وعذبهم إلا بتضييع الشرائع أو إنكار الحقائق ، فمن قام بهما معا كان مصحوبا بالسلامة ، موصوفا بالكرامة في الدارين ، ومن ضيعهما أو أحدهما لحقه الوبال في الدارين ، فإذا لحقه إهلاك لم يسعه إلا الإقرار بالظلم والتقصير ، حيث فاته الحزم والتشمير ، فإذا ندم لم ينفعه الندم ، حيث زلت به القدم ، فالبدار البدار إلى التوبة والانكسار ، والتمسك بشريعة النبي المختار ، والتحقق بمعرفة الواحد القهار ، وصحبة الصالحين الأبرار ، والعارفين الكبار ، قبل أن تصير إلى قبرك فتجده إما روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار . وكما أن الحق تعالى يسأل الرسل عما أجيبوا به ، يسأل خلفاءهم - وهم الأولياء والعارفون - عما إذا قوبلوا من تعظيم أو إنكار ، فيرفع من عظمهم في أعلى عليين ، ويحط من أنكرهم في محل أهل اليمين . وبالله التوفيق .

--> ( 1 ) الآيتان 14 - 15 من سورة الأنبياء . ( 2 ) الآية 78 من سورة القصص . ( 3 ) من الآية 109 من سورة المائدة .