ابن عجيبة

196

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذكر حكمة إنزال الكتاب ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 2 ] كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) قلت : ( كتاب ) : خبر ، أي : هذا كتاب ، و ( أنزل ) : صفته ، والحرج : الضيق ، و ( لتنذر ) : متعلق بأنزل ، أو بلا يكن ، لأنه إذا أيقن أنه من عند اللّه جسر على الإنذار ، وكذا إذا لم يخفهم ، و ( ذكرى ) : يحتمل النصب بإضمار فعل ، أي : لتنذر ولتذكر ذكرى ، والجر عطف على ( لتنذر ) ، أي : للإنذار والتذكير ، والرفع عطف على ( كتاب ) . يقول الحق جل جلاله : هذا كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ من ربك ، فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أي : ضيق وثقل من أجل تبليغه لمن يكذب به ، مخافة أن تكذّب فيه ، أو مخافة أن تقصر على القيام بتبليغه ، أو بحقوقه ، وتوجيه النهى إلى الحرج للمبالغة ، كقولك : لا أرينك هاهنا ، كأنه قال : فلا يحرج صدرك منه ، وإنما أنزلناه إليك لتنذر به من بلغه ، وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي : وتذكيرا وموعظة للمؤمنين ؛ لأنهم هم المنتفعون بمواعظه . الإشارة : تذكير أهل الإنكار ووعظهم يحتاج إلى سياسة كبيرة وحلم كبير وصبر عظيم ، لا يطيقه إلا الأكابر من أهل العلم بالله ؛ كالأنبياء والصديقين ، لسعة معرفتهم ، واتساع صدورهم لحمل الجفاء وتحمل الأذى ، ونهيه تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام - عن ضيق صدره : تشريع لورثته من بعده ؛ الداعون إلى اللّه - عز وجل وإلّا فهو صلّى اللّه عليه وسلّم بحر واسع ، لا تكدره الدّلاء ، كما قال البوصيري . فهو البحر والأنام إضاء « 1 » واللّه تعالى أعلم . ثم حضّ على الاتباع ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 3 ] اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 3 ) قلت : ( قليلا ) : صفة لمصدر ، أو زمان محذوف ، أي : تتذكرون تذكرا قليلا ، أو زمانا قليلا ، والعامل فيه : تذكرون ، و ( ما ) : زائدة لتأكيد القلة .

--> ( 1 ) الإضاءة : جمع إضاءة ، وهي : الغدران - جمع غدير . قلت : وهذا شطر بيت ، أوله : لا تقس بالنبيّ في الفضل خلقا .