ابن عجيبة

186

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ولا ينكر أن يريد بالتحريم - الوصية ؛ لأن العرب قد تذكر اللفظ الخاص ، وتريد به العموم ، كما تذكر اللفظ العام وتريد به الخصوص ، فتقدير الكلام على هذا : قل تعالوا أتل ما وصاكم به ربكم ، ثم أبدل منه ، على وجه التفسير والبيان ، فقال : ألّا تشركوا ، ووصاكم بالإحسان بالوالدين ، وهكذا . . فجمعت الوصية ترك الإشراك وفعل الإحسان بالوالدين ، وما بعد ذلك . انظر بقية كلامه . وإنما قال الحق سبحانه : ( من إملاق ) ، وقدّم الكاف في قوله ( نرزقكم ) ، وفي الإسراء قال : خَشْيَةَ إِمْلاقٍ « 1 » ، وأخر الكاف ؛ لأن ما هنا نزل في فقراء العرب ، فكان الإملاق نازلا بهم وحاصلا لديهم ، فلذلك قال : مِنْ إِمْلاقٍ ، وقدم الخطاب لأنه أهم . وفي الإسراء نزلت في أغنيائهم ، فكانوا يقتلون خوفا من لحوق الفقر ، لذلك قال : خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ، وقدم الغيبة فقال : نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ ؛ حين نخلقهم وإياكم . يقول الحق جل جلاله : قُلْ لهم : تَعالَوْا أي : هلموا ، أَتْلُ أي : أقرأ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ، واجتمعت عليه الشرائع قبلكم ، ولم ينسخ قط في ملة من الملل ، بل وصى به جميع الملل ، هو أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً بل توحدوه وتعبدوه وحده ، وَ أن تحسنوا بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، ولا تسيئوا إليهما ؛ لأن من أساء إليهما لم يحسن إليهما . وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ أي : من أجل الفقر الحاصل بكم ، وكانت العرب تقتل أولادها خوفا من الفقر فنزلت فيهم ، فلا يفهم منه إباحة قتلهم لغيره ، نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ، فلا تهتموا بأمرهم حتى تقتلوهم . وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ؛ كبار الذنوب ما ظَهَرَ مِنْها للناس وَما بَطَنَ في خلوة ، أو : ما ظهر منها على الجوارح ، وما بطن في القلوب من العيوب ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ؛ كالقود ، وقتل المرتد ، ورجم المحصن . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : زنى بعد إحصان ، وكفر بعد إيمان ، وقتل نفس بغير نفس » « 2 » . ذلِكُمْ المتقدم ، وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، فتتدبرون فيما ينفعكم وما يضركم وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي بالخصلة التي هِيَ أَحْسَنُ ؛ كحفظه وتثميره . والنهى عن القرب : يعم وجوه التصرف ، وفيه سد الذريعة ؛ لأنه إذا نهى عن القرب كان الأكل أولى ، حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وهو البلوغ مع الرشد ، بحيث يعرف مصالح نفسه ويأمن عليه التبذير ، فيدفع له ، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ؛ بالعدل والتوفية ، لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ؛ إلا ما يسعها ولا يعسر عليها ، ولمّا أمر بالقسط في الكيل والوزن ، وقد علم أن القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجرى فيه الحرج - أمر بالوسع في ذلك وعفا عما سواه .

--> ( 1 ) الآية 31 من سورة الأسراء . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( الديات ، باب قول اللّه تعالى : « أن النفس بالنفس » ) ومسلم في ( القسامة ، باب ما يباح به دم المسلم ) . عن ابن مسعود . رضى اللّه عنه .