ابن عجيبة
184
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والجواب عن شبهتهم : أنه خلاف ما أنزل اللّه على جميع رسله ، والحق تعالى لم يتركهم على ذلك ، بل بعث لهم الرسل يكلفهم بالخروج عنه ، والإرادة خلاف التكليف ، وأيضا : قولهم هذا لم يصدر منهم على وجه الاعتذار ؛ وإنما صدر منهم على وجه المخاصمة والاحتجاج . ولا يصح الاحتجاج بالقدر . والحاصل أنهم تمسكوا بالحقيقة ورفضوا الشريعة ، وهو كفر وزندقة ، إذ لا بد من الجمع بين الحقيقة في الباطن ، والتمسك بما جاءت به الرسل من الشريعة في الظاهر ، وإلّا فهو على باطل . ولذلك ردّ اللّه تعالى عليهم بقوله : كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الرسل ، فتمسكوا بالحقيقة الظلمانية ، حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا أي : عذابنا الذي أنزلناه عليهم بتكذيبهم قُلْ لهم : هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ يدل على أن اللّه أمركم بالشرك ، وتحريم ما أحل ، وأنه رضى ذلك لكم ، فَتُخْرِجُوهُ أي : فتظهروه لَنا ، بل إِنْ تَتَّبِعُونَ في ذلك إِلَّا الظَّنَّ ولا تحقيق عندكم ، وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ؛ تكذبون على اللّه تعالى ، وفيه دليل على أن الظن لا يكفى في العقائد . قُلْ لهم : فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ على عباده ، الْبالِغَةُ ، حيث بعث الرسل مبشرين ومنذرين ، وأمروا بتوحيد اللّه وطاعته ، فكل من خالفهم قامت الحجة عليه ، هذا باعتبار التشريع الظاهر ، وأما باعتبار باطن الحقيقة ، فالأمور كلها بيد اللّه ؛ يضل من يشاء بعدله ، ويهدى من يشاء بفضله ، فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ولكن شاء هداية قوم وضلال آخرين ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ « 1 » فقول المشركين : فَلَوْ شاءَ الله . . . إلخ ، حق في نفسه ، لكنهم لم يعذروا ؛ لإهمالهم الشريعة . قُلْ هَلُمَّ أي : أحضروا ، شُهَداءَكُمُ أي : كبراءكم وأئمتكم ، الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا ، استحضرهم ليلزمهم الحجة ، ويظهر بانقطاعهم ضلالهم ، وألّا متمسك لهم في ذلك . ثم قال لنبيه - عليه الصلاة والسلام - : فَإِنْ شَهِدُوا بشئ من ذلك ، فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ أي : لا تصدقهم وبيّن لهم فساده ؛ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ، والأصل أن يقول : ولا تتبع أهواءهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر ، للدلالة على أن مكذب الآية متبع للهوى لا غير ، وأن متبع الحق لا يكون إلا مصدقا لها . وَ تتبع أيضا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ؛ كعبدة الأوثان ، وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ؛ يجعلون له عديلا ومثيلا . الإشارة : اعلم أن الحق جل جلاله كلف عباده في هذه الدار ، بالقيام بوظيفتين : الشريعة والحقيقة ، الشريعة محلها الظواهر ، والحقيقة محلها البواطن ، الشريعة تقتضى التكليف ، والحقيقة تقتضى التعريف ، الشريعة شهود الحكمة ، والحقيقة شهود القدرة . وجعل الشريعة رداء الحقيقة ولباسا لها ، ثم جعل سبحانه في القلب عينين ، وتسمى
--> ( 1 ) الآية 23 من سورة الأنبياء .