ابن عجيبة
182
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر ما حرّم على بني إسرائيل ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 146 ] وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 146 ) قلت : الحوايا هي الأمعاء ، أي : المصارين التي فيها البعر ، وتسمى المباعر ، جمع حوية ، فعيلة ، فوزنها على هذا : فعائل ، فصنع بها ما صنع بهراوا ، وقيل : جمع حاوية ، فوزنها : فواعل ، كقوارب ، وهو عطف على ما في قوله : إِلَّا ما حَمَلَتْ . يقول الحق جل جلاله : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ؛ ما له أصبع ، كالإبل والأوز والنعام ، وغيرها من الحيوان ، الذي هو غير منفرج الأصابع وله ظفر ، وقيل : كل ذي مخلب وحافر ، وسمى الحافر ظفرا ؛ مجازا وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما كالثروب وشحوم الكلى ، إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أي : إلا ما علق من الشحم بظهور البقر والغنم ، فهو حلال عليهم ، لكنهم اليوم لا يأكلونه ، حدثني شيخى الفقيه الجنوى أنه سأل بعض أحبارهم : هل هو حرام في كتابكم ؟ فقال له : لا ، لكنهم قاسوه سدا للذريعة . ه . فلما شددوا شدد اللّه عليهم ، أَوِ الْحَوايا أي : ما احتوت عليه الأمعاء والحشوة مما يتحوى في البطن من الشحوم ، فهو حلال عليهم أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ في جميع الجسد ، فإنه حلال عليهم ، لكنهم شددوا فحرموا الجميع عقوبة من اللّه ذلِكَ التحريم جزاء جَزَيْناهُمْ به بسبب بغيهم ، أي : ظلمهم ، وَإِنَّا لَصادِقُونَ فيما أخبرنا به من التحريم ، وفي ذلك تعريض بكذب من حرّم غير ما حرم اللّه . الإشارة : يؤخذ من الآية أن الذنوب والمعاصي تضيق على العبد لذائذ متعته ، وتقتر عليه طيب رزق بشريته ، وتضيق عليه أيضا حلاوة المعاملة في قلبه ، ولذة الشهود في روحه وسره ، لقوله تعالى : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ ، وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ « 1 » ، وقال في شأن القلب : إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً « 2 » ، أي : نورا يفرق بين الحق والباطل ، وقال تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ « 3 » أي : علما لدنيا ، فالمعصية كلها تبعد العبد من الحضرة ، إن لم يتب ، والطاعة كلها تقرب من الحضرة . والتنعم إنما هو على قدر القرب ، ونقصانه على قدر البعد . واللّه تعالى أعلم .
--> ( 1 ) الآية 96 من سورة الأعراف ( 2 ) الآية 29 من سورة الأنفال . ( 3 ) من الآية 282 من سورة البقرة .