ابن عجيبة

180

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَ أنشأ أيضا مِنَ الْأَنْعامِ أنعاما حَمُولَةً ؛ ما يحمل الأثقال ، كالكبار منها ، وَفَرْشاً ؛ ما لا يحمل ، كالصغار لدنوها من الأرض . أو حمولة للإبل ، وفرشا للغنم ، لأنها تفرش للذبح ، ويفرش ما ينسج من صوفها ، كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي : كلوا ما أحل اللّه لكم منها ، وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ في التحليل والتحريم من عند أنفسكم ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ؛ ظاهر العداوة . ثم فصلها فقال : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ؛ ذكر وأنثى من كل صنف ، والصنف : ما معه آخر من جنسه يزاوجه ، ثم بيّنها فقال : مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ؛ ذكر وأنثى ؛ كبش ونعجة ، وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ؛ التيس وهو الذكر ، والعنز وهي الأنثى ، قُلْ لهم آلذَّكَرَيْنِ أي : ذكر الضأن والمعز ، حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ منهما ؟ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ من الأجنة ، ذكرا كان أو أنثى ؟ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ يدل على أن اللّه تعالى حرم شيئا من ذلك ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعوى التحريم عليه . وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ ؛ ذكر وأنثى ، وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ كذلك . قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أم حرم ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ من الجنين مطلقا ؟ وهذا تقسيم على الكفار حتى يتبين كذبهم على اللّه ، وتوبيخ لهم ، حيث حرموا بعض الذكور مرة وبعض الإناث مرة ، فألزمهم تحريم جميع الذكور ، إن كان علة التحريم وصف الذكورة ، أو تحريم جميع الإناث ، إن كانت العلة الأنوثة ، أو تحريم الجميع إن كان المحرم ما اشتملت عليه الأرحام ، ولا وجه للتخصيص ، فالاستفهام للإنكار ، وأكده بقوله : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ حاضرين حين وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا التحريم ، ولا طريق لكم إلى معرفة هذا إلا المشاهدة والسماع ، وليس لكم شئ من ذلك ، وإنما أنتم مفترون على اللّه . فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ؛ فنسب إليه تحريم ما لم يحرم ، والمراد : كبراؤهم الأوائل كعمرو ابن لحى وأمثاله ، أي : لا أحد أظلم ممن كذب على اللّه ، لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ إلى مراشدهم ، أو إلى ما ينفعهم . الإشارة : ومن الأحوال ما تحمل صاحبها إلى مقام الحرية ، بشهود الربوبية ، فيغلب عليه العز والاستظهار ، ومنها ما تحمله إلى مقام العبودية ، فيغلب عليه الذل والانكسار ، وإليه الإشارة بقوله : حَمُولَةً وَفَرْشاً ، فليتمتع المريد بما يظهر عليه منهما ، ولا يتبع خطوات الشيطان فيتعدى طوره ، ولا يعرف قدره . وهذه الأحوال ثمانية أنواع : أربعة سفلية تناسب العبودية ، وأربعة علوية تناسب الربوبية . فالأربعة السفلية : الذل ، والفقر ، والعجز ، والضعف . والأربعة العلوية : العز ، والغنى ، والقدرة ، والقوة . فمن أراد التعلق بهذه الأوصاف فليناد من كوة الذل : يا عزيز من للذليل سواك ؟ ، ومن كوة الفقر : يا غنى من للفقير سواك ؟ ، ومن كوة العجز : يا قدير من للعاجز سواك ؟ ومن كوة الضعف : يا قوى من للضعيف سواك ؟ ، ير الإجابة طوع يديه ، ومن أراد التحقق بها ، فليتحقق بذله يمده بعزه ، وليتحقق بفقره يمده بغناه ، وليتحقق بعجزه يمده بقدرته ، وليتحقق بضعفه يمده بقوته ، « تحقق بوصفك يمدك بوصفه » . وبالله التوفيق .