ابن عجيبة
170
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( خالدين ) : حال مقدّرة من الكاف ، والعامل فيه : مَثْواكُمْ ، إن جعل مصدرا ، أو معنى الإضافة ، إن جعل مكانا . يقول الحق جل جلاله : وَ اذكر يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ « 1 » أي : الثقلين ، جَمِيعاً ونقول : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ أي : الشياطين قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ أي : من إغوائهم وإضلالهم ، أو استكثرتم منهم بأن جعلتموهم في أتباعكم ، فحشروا معكم ، وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ الذين أطاعوهم في الكفر : رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ أي : انتفع الإنس بالجن ، بأن دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها ، وانتفع الجن بالإنس بأن أطاعوهم وحصّلوا مرادهم ، وقيل : استمتاع الإنس بهم أنهم كانوا يعوذون بهم في المفاوز وعند المخاوف ، كان الرجل إذا نزل واديا يقول : أعوذ بصاحب هذا الوادي ، يعنى كبير الجن ، واستمتاعهم بالإنس : اعترافهم بأنهم يقدرون على إجارتهم ، وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا وهو الموت أو البعث والحشر ، وهو اعتراف بما فعلوا من طاعة الشياطين واتباع الهوى ، وتكذيب البعث ، وتحسر على حالهم ، وإظهار للاستكانة والضعف . أقروا بذنبهم لعله ينفعهم . قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ : منزلكم ، خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ؛ إلا أوقات ، ينتقلون فيها من النار إلى الزمهرير ، وقيل : ليس المراد بالاستثناء هنا الإخراج ، وإنما هو على وجه الأدب مع اللّه وإسناد الأمور إليه . وسيأتي في الإشارة تكميله إن شاء اللّه ، إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في أفعاله ، عَلِيمٌ بأعمال الثقلين . وَكَذلِكَ أي : كما ولينا الشياطين على الكفرة ، نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً أي : نكّل بعضهم إلى بعض ، أو نجعل بعضا يتولى بعض فيقويهم ، أو : أولياءهم وقرناءهم في العذاب ، كما كانوا قرناء في الدنيا ، وذلك التولي والتسليط بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من الكفر والمعاصي . الإشارة : ليست الآية خاصة بالكفار ، بل كل من عوّق الناس عن طريق الخصوص ، واستكثر من العموم ؛ بأن أبقاهم في حزبه ، يقال له : يا معشر أهل الرياسة قد استكثرتم من العموم ، فيقول أهل اليمين من العموم : ربنا استمتع بعضنا ببعض فتبعناهم في الوقوف مع الحظوظ والعوائد ، وتمتعوا بتكثير سوادهم بنا وتنعيش رياستهم ، مع ما يلحقهم من الارتفاق من قبلنا ، فيقول الحق تعالى : نار القطيعة والحجاب مثواكم خالدين فيها ، إلا وقت الرؤية مع عوام الخلق ، وهذه عادته تعالى : يولى بعض الغافلين بعضا بسبب غفلتهم . وفي قوله تعالى : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ - إرشاد إلى استعمال الأدب ، ورد الأمور كلها إلى رب الأرباب ، وعدم التحكيم على غيب مشيئته وعلمه ، وقوفا مع ظاهر الوعد أو الوعيد ، فالأكابر لا يقفون مع وعد ولا وعيد ،
--> ( 1 ) قرأ حفص ( يحشرهم ) بالياء ، وقرأ الباقون ( نحشرهم ) بالنون .