ابن عجيبة
164
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
أو فصّل الله لكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ مما لم يحرم بقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ . . . الآية « 1 » إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ مما حرم عليكم ؛ فإنه حلال حال الضرورة . وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بتحليل الحرام وتحريم الحلال بِأَهْوائِهِمْ أي : بمجرد أهوائهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا دليل ، بل بتشهى أنفسهم ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ المجاوزين الحق إلى الباطل ، والحلال إلى الحرام ، وَذَرُوا أي : اتركوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ أي : سره وعلانيته ، أو ما يتعلق بالجوارح والقلب ، إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سرا أو علانية ، سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ؛ يكتسبون . ولما أمرهم بأكل الحلال نهاهم عن الحرام ، فقال : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، بأن ترك التسمية عليه عمدا لا سهوا ؛ كما هو مذهب مالك وأبي حنيفة « 2 » . وقال الشافعي : تؤكل مطلقا ، لقوله - عليه الصلاة والسلام - : « ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم اللّه عليه » « 3 » ، وقال أحمد وداود : لا تؤكل إن تركت مطلقا ، عمدا أو سهوا . وقال ابن جزى : إنما جاء الكلام في سياق تحريم الميتة وغيرها مما ذبح للنصب ، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليل على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين ، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك . وقال عطاء : هذه الآية أمر بذكر اللّه على الذبح والأكل والشرب . ه . وَإِنَّهُ أي : الأكل مما لم يذكر اسم اللّه عليه لَفِسْقٌ أو : وإنه - أي : عدم ذكر اسم اللّه على الذبيحة ، لفسق ومن تزيين الشياطين ، إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ ؛ ليوسوسون إِلى أَوْلِيائِهِمْ من الكفار لِيُجادِلُوكُمْ بقولهم : إنكم تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم وتدعون ما قتله اللّه . وهذا يؤيد أن المراد بما لم يذكر اسم اللّه عليه هو الميتة ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ في استحلال ما حرمت عليكم ، إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ مثلهم ، لأن من أحل ما حرم اللّه فقد كفر ، والجواب عن شبهتهم : أن الذكاة تطهير لخبث الميتة ، مع ضرب من التعبد . الإشارة : ليس المراد من التسمية على الطعام أو غيره مجرد اللفظ ، وإنما المراد حضور المسمى ، وهو شهود المنعم في تلك النعمة ؛ لأن الوقت الذي يغلب فيه حظ النفس ، ينبغي للذاكر المتيقظ أن يغلب فيه جانب الحق ،
--> ( 1 ) الآية 3 من سورة المائدة . ( 2 ) فرّق أبو حنيفة بين العامد والناسي . ( 3 ) أخرجه أبو داود في مراسيله ( باب في الضحايا والذبائح ) من حديث الصلت السدوسي . وهذا المرسل يعضده ما رواه الدارقطني في السنن : ( الصيد والذبائح ) عن ابن عباس قال : ( إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم اللّه فليأكل ، فإن المسلم فيه اسم من أسماء اللّه ) . ويؤيد ما ذهب إليه أيضا ما أخرجه البخاري في : ( الصيد والذبائح ، باب ذبيحة الأعراب ) عن عائشة : أن ناسا قالوا : يا رسول اللّه ، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم اللّه عليه أم لا ؟ قال : وسموا أنتم وكلوا » . قالت : وكانوا حديثي عهد بالكفر . راجع تفسير : القرطبي وابن كثير . .