ابن عجيبة

147

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فطرة الأزل بلزوم سمة العبودية بلا علة الاكتساب ، عند سبق الإرادة . انتهى . قلت : وحاصل كلامه : أن مجيئهم فرادى ، كناية عن دخولهم الحضرة القدسية بعد تقديس الأرواح وتطهيرها ، حتى رجعت لأهلها ، كما خلقها أول مرة ، أعنى : مقدسة من شواهد الحس ، مطهرة من لوث الأغيار ، على فطرة الأزل ، فشبه مجيئها الثاني بعد التطهير ببروزها الأول ، حين كانت على أصل التطهير ، كأنه قال : ولقد جئتمونا فرادى من الحس وشهود الغير كما خلقناكم كذلك في أول الأمر . واللّه تعالى أعلم . وقوله تعالى : وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ أي : من العلوم الرسمية ، والطاعات البدنية والكرامات الحسية ، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي العارف : كنت أعرف أربعة عشر علما ، فلما علمت علم الحقيقة سرطت ذلك كله ، فلم يبق لي إلا التفسير والحديث والمنطق . ه . وقوله تعالى : وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ إشارة إلى أنهم دخلوا من باب الكرم لا من باب العمل . واللّه تعالى أعلم . ثم شرع يذكر دلائل توحيده وتعريف ذاته ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 95 إلى 96 ] إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 95 ) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 96 ) قلت : ( ومخرج ) : معطوف على ( فالق ) ، على المختار ؛ لأنّ ( يخرج الحي ) - واقع موقع البيان له ، و ( سكنا ) : مفعول بفعل محذوف ، أي : جعله سكنا ، إلا أن يريد بجاعل : الاستمرار ، فحينئذ ينصب المفعول . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى أي : يفلق الحب تحت الأرض لخروج النبات منها ، ويفلق النوى لخروج الشجر منها ، يُخْرِجُ الْحَيَّ أي : كل ما ينمو من الحيوان والنبات ؛ ليطابق ما قبله ، مِنَ الْمَيِّتِ مما لا ينمو كالنطف والحب . وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ أي : ومخرج الحب والنّطف من الحي ، ذلِكُمُ اللَّهُ أي : ذلكم المخرج والمحيي المميت هو اللّه المستحق للعبادة دون غيره ، فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ؛ تصرفون عنه إلى غيره . فالِقُ الْإِصْباحِ أي : شاقّ عمود النهار عن ظلمة الليل ، وَجَعَلَ « 1 » اللَّيْلَ سَكَناً أي : يسكن فيه من تعب النهار للاستراحة ، وَ جعل الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً أي : على أدوار مختلفة ، يعلم بها حساب

--> ( 1 ) قرأ عاصم وحمزة والكسائي - وكذا خلف - : ( جعل ) فعلا ماضيا . وقرأ باقي السبعة ( جاعل ) باسم الفاعل مضافا إلى الليل .