ابن عجيبة
129
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم أمر بالرجوع إليه عند الشدائد ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 63 إلى 64 ] قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 63 ) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ( 64 ) يقول الحق جل جلاله : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ أي : يخلصكم مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي : من شدائدهما ، استعير الظلمة للشدة ؛ لمشاركتهما في الهول ، فقيل لليوم الشديد : يوم مظلم ، أو : من الخسف في البر والغرق في البحر ، حال كونكم تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً أي : جهرا وسرا ، قائلين : لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ « 1 » الظلمة ، أي : الشدة ، لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ بإقرارنا بوحدانيتك ، قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ أي : غم سواها ، ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ أي : تعودون إلى الشرك ولا توفون بالعهد ، وهذا شأن النفس اللئيمة ؛ في وقت الشدة ترجع إلى الحق وتوحده ، وفي وقت السعة تنساه وتشرك معه ، كما قال تعالى : وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ « 2 » . الإشارة : ظلمات البر هو ما يخوض القلب ويظلمه ؛ من أجل ما يدخل عليه من حس الظاهر ، الذي هو بر الشريعة ، وظلمات البحر هو ما يدهش الروح ويحيرها من أجل ما يدهمها من علم الحقائق ، عند الاستشراف عليها ، أو ما يشكل عليها في علم التوحيد ، فإذا رجع إلى اللّه فيهما ، وتمسك بشيخ كامل في علم الحقائق - أنجاه اللّه منهما ، فإذا شكر اللّه وأفرد النعمة إليه دامت نجاته ، وإن التفت إلى غيره خيف عليه العود إلى ما كان عليه . وبالله التوفيق . ثم هدد أهل الشرك ، أو : هم مع غيرهم ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 65 إلى 67 ] قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ( 65 ) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 66 ) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 67 ) يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا محمد : هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ، كما فعل بقوم نوح ولوط وأصحاب الفيل ، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، كما أغرق فرعون وخسف بقارون ، وقيل : من فوقكم :
--> ( 1 ) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ( أنجيتنا ) بالياء والتاء بعد الجيم من غير ألف . . وقرأ الباقون ( أنجانا ) بألف بعد الجيم من غير ياء ولا تاء . انظر الإتحاف ( 2 / 16 ) . ( 2 ) الآية 33 من سورة الروم .