ابن عجيبة

127

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

سبحانه بعلم المغيبات لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ؛ فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم ، فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته ، وفيه دليل على أن اللّه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها ، وهو أمر ضروري . وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ من عجائب المصنوعات وضروب المخلوقات ؛ على اختلاف أجناسها وأنواعها ، حيها وجامدها ، فيعلم عددها وصفتها وأماكنها ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها كيف تسقط ، على ظهرها أو بطنها ، وما يصل منها إلى الأرض وما يتعلق في الهواء ، وهو مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات ، كما تعلق بالكليات ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ من حبوب الثمار وبذور سائر النبات ، والرمل ، وغير ذلك من دقائق الأشياء وجلائلها ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ من الأشجار والنبات والحيوانات التي فيها الحياة والتي فارقتها ، فهي من جنس اليابس ، إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي : علم اللّه القديم ، أو اللوح المحفوظ ، فعلى الأول ، يكون بدلا من الاستثناء الأول ، بدل الكل من الكل ، وعلى الثاني : بدل اشتمال . وقرئت بالرفع ، على العطف على محل : مِنْ وَرَقَةٍ ، أو على الابتداء ، والخبر : فِي كِتابٍ مُبِينٍ . الإشارة : مفاتح الغيب هي أسرار الذات وأنوار الصفات ، أو أنوار الملكوت وأسرار الجبروت ، لا يعلمها إلا هو ، فما دام العبد محجوبا بوجود نفسه ، محصورا في هيكل ذاته ، لا يذوق شيئا من هذه الغيوب ، فإذا أراد الحق جل جلاله أن يفتح على عبده شيئا من هذه الغيوب ، غطى وصف عبده بوصفه ، ونعته بنعته ، فغيّبه عن وجود نفسه ، فصار هو سمعه وبصره وقلبه وروحه ، فيعلم تلك الأسرار به ، لا بنفسه ، فما علم تلك الأسرار غيره ، ويحيط بأسرار الأشياء كلها ، برها وبحرها ؛ لأنه يصير خليفة اللّه في أرضه . وقال الورتجبي : غيبه ذاته القدسية ، وهي خزانة أسرار الأزل والآباد ، ومفاتحها : صفاتها الأزلية ، لا يعلم صفاته وذاته بالحقيقة إلا هو تعالى بنفسه ، فنفى الغير عن البين ، حيث لا حيث ولا بين . انظر تمامه فيه . ومن جملة الغيوب التي اختص اللّه بها : انقضاء الأجل ، كما أشار إلى ذلك بقوله : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 60 إلى 62 ] وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 60 ) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ( 61 ) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ ( 62 )