ابن عجيبة
115
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَقالُوا - حين سمعوا ذكر البعث والرجوع إلى اللّه - : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ تدل على ما ادعاه من البعث والرجوع إلى اللّه ، وعلى أنه رسول من عند اللّه ، قُلْ لهم : إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً خارقة للعوائد ، يرونها عيانا ، وتضطرهم إلى الإيمان ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أن إنزالها وبال عليهم ؛ لأنهم إن عاينوها ولم يؤمنوا عوجلوا بالعقاب ، أو : لا يعلمون أن اللّه قادر على أكثر مما طلبوا ؟ . وهذا الطلب قد تكرر منهم في مواضع من القرآن ، وأجابهم الحق تعالى بأجوبة مختلفة ، منها : ما يقتضى الرد عليهم في طلبهم الآيات ؛ لأنهم قد أتاهم بآيات ، وتحصيل الحاصل لا ينبغي ، كقوله : قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ « 1 » ، أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ « 2 » ومنها : ما يقتضى الإعراض عنهم ؛ لأن الخصم إذا تبين عناده سقطت مكالمته . ويحتمل أن يكون منه قوله هنا : قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ . . . الآية . فإن قيل : كيف طلبوا آية وهم قد رأوا آيات كثيرة ، كانشقاق القمر ، وإخبارهم بالغيب ، وغير ذلك ؟ فالجواب : أنهم لم يعتدوا بما رأوا ؛ لأن سر الربوبية لا يظهر إلّا ومعه شئ من أردية القهرية ، وهم قد طلبوا آية يدركونها من غير نظر ولا تفكر ، وهو خلاف الحكمة . ثم ذكر دلائل قدرته على البعث وغيره ، فقال : وَما مِنْ دَابَّةٍ تدبّ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ في الهواء ، إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ؛ مقدرة أرزاقها ، محدودة آجالها ، معدودة أجناسها وأصنافها ، محفوظة ذواتها ، معلومة أماكنها ، كلها في قبضة الحق ، وتحت قدرته ومشيئته ، فدل ذلك على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره ، فيدل على قدرته على أن ينزل آية ، وعلى بعثهم وحشرهم ؛ لأنه عالم بما تنقص الأرض منهم ، كما قال تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ أي : اللوح المحفوظ ، مِنْ شَيْءٍ ؛ فإنه مشتمل على ما يجرى في العالم من جليل ودقيق ، لم يهمل فيه أمر حيوان ولا جماد ، ظاهرا ولا باطنا ، أو القرآن ؛ فإنه قد اشتمل على كل ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلا ومجملا ، حتى قال بعض السلف : ( لو ضاع لي عقال لوجدته في كتاب اللّه ) أي : باعتبار العموم وأصول المسائل . قال تعالى : ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ أي : الأمم كلها ، فينصف بعضها من بعض . كما روى أنه يؤخذ للجمّاء من القرناء « 3 » وعن أبي هريرة رضى اللّه عنه أنه قال في هذه الآية : ( يحشر الخلق كلهم يوم القيامة : البهائم والدواب والطير وكل شئ ، فيبلغ من عدل اللّه تعالى أن يأخذ للجماء من القرناء ، ثم يقول : كونى ترابا ، فذلك حين يقول الكافر : يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً « 4 » . وفي المسألة اضطراب بين العلماء ، والصحيح هو حشرها ، كما قال تعالى : وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ « 5 » وعن ابن عباس رضى اللّه عنه : ( حشرها موتها ) . واللّه تعالى أعلم .
--> ( 1 ) من الآية 118 من سورة البقرة . ( 2 ) من الآية 51 من سورة العنكبوت . ( 3 ) كما في حديث : « لتؤدّون الحقوق إلى أهلها يوم القيامة ، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ، أخرجه مسلم في ( البر والصلة ، باب تحريم الظلم ) من حديث أبي هريرة . والجماء : التي لا قرن لها . ( 4 ) من الآية 40 من سورة النبأ . ( 5 ) الآية 5 من سورة التكوير .