ابن عجيبة

113

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ومن قرأ : « يكذّبونك » بالتشديد ؛ فمعناه : لا يعتقدون كذبك ، وإنما هم يجحدون الحق مع علمهم به ، ومن قرأ بالتخفيف فمعناه : لا يجدونك كاذبا ، يقال : أكذبت الرجل إذا وجدته كاذبا ، وقيل : معناهما واحد ، يقال : كذّب فلان فلانا ، وأكذبه ، بمعنى واحد ، وفاعل ( جاءك ) : مضمر ، أي : نبأ أو بيان ، وقيل : الجار والمجرور . وجواب ( فإن استطعت ) : محذوف ، أي : فافعل . يقول الحق جل جلاله : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ أي : الكفار في جانبك ؛ من أنك شاعر أو كاهن أو مجنون أو كاذب ، فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ في الحقيقة ، لجزمهم بصحة نبوتك ، ولكنهم يجحدون بآيات اللّه ، حسدا وخوفا على زوال الشرف من يدهم . نزلت في أبى جهل ، قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّا لا نكذّبك ، ولكن نكذّب بما جئت به « 1 » . وقال الأخنس بن شريق : واللّه إن محمدا لصادق ، ولكني أحسده على الشرف . ووضع ( الظالمين ) موضع المضمر ؛ للدلالة على أنهم ظلموا لجحودهم ، أو جحدوا لتمرنهم على الظلم . ثم سلّاه عن ذلك ، فقال : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا أي : صبروا على تكذيبهم وأذاهم ، حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا ، فاصبر كما صبروا حتى يأتيك نصرنا كما أتاهم ، وفيه إيماء بوعد النصر للصابرين ، ولذلك قيل : الصبر عنوان الظفر . وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ السابقة بنصر الصابرين ، كقوله تعالى : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ « 2 » : الآية . وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ أي : من قصصهم ، وما كابدوا من قومهم حتى نصرهم اللّه ، فتأنس بهم وانتظر نصرنا . وَإِنْ كانَ كَبُرَ أي : عظم وشق عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ عنك وعن الإيمان بما جئت به ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً أي : سربا فِي الْأَرْضِ فتدخل فيه لتطلع لهم آية ، أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ لترتقى فيه فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ حتى يعاينوها فافعل ، ولكن الأمر بيدي ، فإنما أنت نذير . قال البيضاوي : المقصود : بيان حرصه البالغ على إسلام قومه ، وأنه لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها ؛ رجاء إسلامهم ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى أي : لو شاء اللّه جمعهم على الهدى لوفقهم للإيمان حتى يؤمنوا ، ولكن لم تتعلق به مشيئته . وفيه حجة على القدرية . أو : لو شاء اللّه لأظهر لهم أية تلجئهم إلى الإيمان ، لكن لم يفعل ؛ لخروجه عن الحكمة ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أي : من الذين يحرصون على ما لم تجر به المقادير ، أي : دم على عدم كونك منهم ، ولا تقارب حالهم بشدة التحسر ه . وقال في نوادر الأصول : إن الخطاب به تربية له ، وترقية من حال إلى حال ، كما يربّى أهل التقريب وينقلون من ترك الاختيار ، فيما ظاهره بر وقربة . ه . قلت : تشديد الخطاب على قدر علو المقام ، كما هو معلوم

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في : ( تفسير سورة الأنعام ) عن سيدنا على - كرم اللّه وجهه - ( 2 ) الآيتان : 171 - 172 من سورة الصافات .