ابن عجيبة
110
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم هددهم بما أعد لهم يوم القيامة ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 27 إلى 28 ] وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 27 ) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 28 ) قلت : ( لو ) : شرطية ، وجوابها محذوف : أي : لرأيت أمرا فظيعا هائلا ، وإنما حذف في مثل هذا ليكون أبلغ ما يقدره السامع . و ( لا نكذب ) و ( نكون ) : قرىء بالرفع ، على الاستئناف والقطع عن التمني ، ومثّله سيبويه بقولك : ( دعني ولا أعود ) أي : وأنا لا أعود ، ويحتمل أن يكون حالا ، أي : غير مكذّبين ، أو عطفا على : ( نرد ) ، وقرىء بالنصب ؛ على إضمار « أن » - بعد واو المعية في جواب التمني . يقول الحق جل جلاله : وَلَوْ تَرى يا محمد ، أو : يا من تصح منه الرؤية ، حال الكفار إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ حين يعاينونها أو يطلعون عليها ، أو يدخلونها ، فيعرفون مقدار عذابها ، لرأيت أمرا شنيعا وهو لا فظيعا ؛ فَقالُوا حينئذ : يا لَيْتَنا نُرَدُّ إلى الدنيا ، وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، ندموا حين لم ينفع الندم ، وقد زلّت بهم القدم ، قال تعالى : بَلْ بَدا لَهُمْ أي : ظهر لهم يوم القيامة في صحائفهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ في دار الدنيا من عيوبهم وقبائح أعمالهم ، أو : بدا لهم حقيّة الإيمان وبطلان ضده ، عيانا ، لمّا وقفوا على التوحيد وعرفوه ضرورة ، وقد كانوا في الدنيا يخفونه ويظهرون الشرك ، عياذا بالله . قال تعالى : وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا بعد الوقوف والظهور ، لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر والمعاصي ؛ لأنهم من قبضة الشقاء ، والعياذ بالله ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما وعدوا من أنفسهم من الإيمان وعدم التكذيب . وفي هذا : الإخبار بما لا يكون ، ولو كان كيف يكون ، وهو مما انفرد اللّه بعلمه . الإشارة : يوم القيامة هو محل ظهور حقائق الأشياء على ما هي عليه ، فإن كانت حقا ظهرت حقيقتها وصحتها ، وإن كانت باطلة ، ظهر بطلانها عيانا ، لكن لا تنفع المعرفة حينئذ ، لرفع حجاب الحكمة وظهور القدرة ، فلم يبق غيب ، وإنما المزيّة في الإيمان بالغيب ، والمعرفة في النكران ، والشهود خلف رداء الكبرياء ، بشهود المعاني خلف الأواني ، فإن ظهرت المعاني فلا إيمان ، وإنما يبقى العيان ، لأهل العيان ، والخيبة لأهل الخذلان . قال الورتجبي : القوم لم يعرفوا حقائق الكفر في الدنيا ، ولو عرفوه لكانوا موحدين ، فيظهر لهم يوم القيامة حقيقة الكفر ، ولا ينفعهم ذلك ؛ لفوتهم السير في النكرات ، التي معرفتها توجب المعارف ، وذلك المقام في أماكن صدورهم ، وهم كانوا يخفونه بمتابعة صورة الكفر وشهوة العصيان بغير اختيارهم ؛ لقلة عرفانهم به ، ولا يكون قلب من العرش إلى الثرى إلا ويطرقه هواتف الغيب ، بإلهام اللّه الذي يعرف به طرق رضى الحق ، وصاحبه يعلم ذلك ويسمع ويخفيه في قلبه ، لأنه أدق من الشعرة ، وحركته أخفى من دبيب النمل ، ومع ذلك يعرفه من نفسه ، ولكن من غلبت شهوات نفسه عليه ، لا يتبع خطاب اللّه بالسر ، فأبدى اللّه لهم ما كانوا يخفونه ، تعييرا لهم وحجة عليهم . انتهى .