ابن عجيبة
9
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
بالأسرار ، والذي يجب أن يستفتيه الإنسان إذا حار . سأل وابصة بن معبد رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم عن البر والإثم ، فقال : « يا وابصة استفت قلبلك ، البر ما اطمأنت إليه النفس ، واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر ، وإن أفتاك الناس وأفتوك » « 1 » . ذلك هو القلب المراد ، وله لغته ، كما أن للعقل لغته . وإذا كانت لغة العقل تدرك بالألفاظ ، ويعبّر عنها بالكلمات ، فلغة القلب تدرك بالذوق ؛ لأنه لا يحيط بالتعبير عنها اللفظ . ولنقرب إلى الفهم ؛ فلغة القلب مثل التفاحة . . فلن يستطيع من أكلها وأحس حلاوتها أن يترجم باللفظ أو يعبّر بالوصف لمن لم يأكلها قبل عن طعمها ومذاقها . وهكذا لا تدرك لغة القلب بوصف أو بلفظ ، وإنما يدركها ذو قلب متذوق . ولذلك لا تحيط بالتعبير عن لغة القلب العبارة ، وإنما يعبّر عنها بالإشارة . فالإشارة ترجمان لما يقع في القلوب من تجليات ومشاهدات ، وتلويح لما يفيض به الله على صفوته وأحبابه ، من أسرار في كلام الله وكلام رسوله . ومن هنا كانت مذاقات الصوفية وأهل التحقيق في قرآن الله الكريم وكلامه القديم . . وهم لا يرون أن تلك المذاقات وحدها هي المرادة ، وإنما يأخذونها إشارات من الله لهم ، بعد إقرار ما قاله أهل الظاهر من تفسير باعتباره أصل التشريع . وجلى بعد ذلك أنه لا مجال لمعترض ممن ينكر عليهم مذاقاتهم ، ويراها ميلا بكلام الله عن مجراه ، ما داموا لا يأخذون بمذاقاتهم وحدها ، وإنما يأخذون بها مع إقرارهم لتفسير أهل الشرع . فلا يعنينا من ذي جدل أن يقول عن هذه الإشارات : إنها إحالة لكلام الله عز وجل ، وتغيير لسياقه ومجراه ؛ لأن ذلك يصدق لو قالوا : إنه لا معنى للآية إلا هذا ، وهم لا يقولون ذلك ، بل يقرون الظواهر على ظواهرها ، ويفهمون عن اللّه ما أفهمهم . وذلك مصداق الحديث الشريف : « لكل آية ظاهر وباطن وحدّ ومطلّع » « 2 » فالباطن لا يعارض الظاهر ، والظاهر لا يعارض الباطن . . . وذلك النهج بعيد كل البعد عما نادى به ( الباطنية ) من الأخذ بباطن القرآن لا ظاهره ، وقصرهم معاني القرآن على ما ادعوه من تفسيراتهم دون غيره ، لأنهم بذلك لا يقرون الشريعة ويبطلون العمل بها . وهم لا يخضعون دعواهم للنص القرآني ، بل يخضعون النص القرآني لدعواهم . وهنا يزول ما التبس على البعض من أن مذاقات الصوفية في القرآن الكريم نزعة باطنية ، فبينهم وبينها آماد وأبعاد ، بل إنهم لبريئون منها ، وينكرونها كل الإنكار ، وواضح ذلك من أنهم يأخذون بالباطن بعد الأخذ بالظاهر ،
--> ( 1 ) أخرج حديث وابصة ، الإمام أحمد في المسند ( 4 / 228 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في تفسيره ( 1 / 22 ) وابن حبان ( الإحسان 1 / 146 ح 75 ) والبزار ( كشف الأستار ، باب كم أنزل القرآن في حرف 3 / 90 ح 1312 ) من حديث عبد اللّه بن مسعود . وعزاه السيوطي في الجامع الصغير ( ح 2727 ) للطبراني في الكبير . وأخرجه البغوي في شرح السنة ( ح 122 ) عن الحسن البصري مرسلا .