ابن عجيبة

88

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فإن قلت : الريب في القرآن قد وقع من الكفار قطعا ، فكيف عبّر بأن الدالة على الشك والتردد ؟ قلت : ( إن ) جازمة للفظ الشرط أو محله ، موضوعة للشك في الشرط . و « إذا » لا تجزم في اللفظ ، وتدل على الجزم في المعنى ، وفي ذلك يقول القائل : أنا إن شككت وجدتمونى جازما * وإذا جزمت فإنني لم أجزم فإن قلت : الريب في القرآن قد وقع من الكفار قطعا ، فكيف عبّر بأن الدالة على الشك والتردد ؟ قلت : لما كان ريبهم واقعا في غير محله - إذ لو تأملوا أدنى تأمل لزال ريبهم لوضوح الأمر وسطوع البرهان - كان ريبهم كأنه مشكوك فيه ومتردد في وقوعه ، و ( الشهداء ) جمع شهيد بمعنى الحاضر ، أو القائم بالشهادة ، أو الناصر ، أطلق على الأصنام ؛ لأنهم يزعمون أنها تشهد لهم ، ومعنى ( دون ) : أدنى مكان من الشيء ، ثم استعير للرّتب فقيل : زيد دون عمرو ؛ أي : في الشرف ، ثم اتسع فيه فاستعير لكل تجاوز حدّ إلى حد ، وتخطى أمر إلى آخر . يقول الحق جل جلاله : وَإِنْ كُنْتُمْ يا معشر الكفار فِي شك مِمَّا نَزَّلْنا عَلى محمد عَبْدِنا ورسولنا المختار لسرّ وحينا ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ جنسه في البلاغة والفصاحة ، مشتملة على علوم وأسرار ومغيبات كما اشتمل عليه كتابي ، وَادْعُوا من استطعتم ممن تنتصرون به على ذلك الإتيان ، من آلهتكم التي تزعمون أنها تشهد لكم يوم القيامة ، أو من حضركم من البلغاء والفصحاء ممن تنتصرون به مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنها تنفعكم . فَإِنْ لَمْ تقدروا أن تَفْعَلُوا ذلك وَلَنْ تقدروا أبدا فأسلموا وأقرّوا بالحق ، فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أي : حجارة الكبريت ، فهما حطبها ووقودها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ . وَبَشِّرِ يا محمد ويا من يصلح منه التبشير الَّذِينَ آمَنُوا باللّه ورسوله ، وَعَمِلُوا ما كلفوا به من الأعمال الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي : من تحت قصورها ، وهي أنهار من ماء ، وأنهار من عسل ، وأنهار من لبن ، وأنهار من خمر لذة للشاربين . كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً أي : صنفا ، قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ في دار الدنيا ، فإن الطباع تميل إلى المألوف ، فالصفة متفقة والطعم مختلف . أو في الجنة ، قيل : هذا لما روى عنه صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « والذي نفس محمد بيده إنّ الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى جوفه حتى يبدل اللّه تعالى مكانها مثلها » ، فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا