ابن عجيبة
79
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر أقوالهم الشنيعة ، وأحوالهم الفظيعة ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 11 إلى 12 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 ) قلت : « إذا » ظرف خافض لشرطه منصوب بجوابه ، أي : قالوا نحن مصلحون ، وقت قول القائل لهم : لا تفسدوا ، والجملة بيان وتقرير لخداعهم ، أو معطوفة على ( من يقول آمنا ) ، أي : ومن الناس فرقة إذا قيل لهم : لا تفسدوا ، قالوا : إنما نحن مصلحون . يقول الحق جل جلاله : وَإِذا قِيلَ لهؤلاء المنافقين : لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالمعاصي والتعويق عن الإيمان ، وإغراء أهل الكفر والطغيان على أهل الإسلام والإيمان ، وتهييج الحروب والفتن ، وإظهار الهرج والمرج والمحن ، وإفشاء أسرار المسلمين إلى أعدائهم الكافرين ، فإن ذلك يؤدى إلى فساد النظام ، وقطع مواد الإنعام ، قالُوا في جوابهم الفاسد : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ في ذلك ، فلا تصح مخاطبتنا بذلك ، فإن من شأننا الإصلاح والإرشاد ، وحالنا خالص من شوائب الفساد ، قال تعالى : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ هنالك ، ولكن لا شعور لهم بذلك . قلت : فردّ اللّه ما ادعوه من الانتظام في سلك المصلحين بأقبح رد وأبلغه ، من وجوه الاستئناف الذي في الجملة ، والاستفتاح بالتنبيه ، والتأكيد بأن وضمير الفعل ، وتعريف الخبر ، والتعبير بنفي الشعور ، إذ لو شعروا أدنى شعور لتحققوا أنهم مفسدون . وهذه الآية عامة لكل من اشتغل بما لا يعنيه ، وعوق عن طريق الخصوص ، ففيه شعبة من النفاق ، وفي صحيح البخاري : « ثلاث من كنّ فيه كان منافقا خالصا : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا أؤتمن خان » . الإشارة : وإذا قيل لمن يشتغل بالتعويق عن طريق اللّه والإنكار على أولياء اللّه : أقصر من هذا الإفساد ، وارجع عن هذا الغى والعناد ، فقد ظهرت معالم الإرشاد لأهل المحبة والوداد . قال : إنما أنا مصلح ناصح ، وفي أحوالي كلها صالح ، يقول له الحق جل جلاله : بل أفسدت قلوب عبادي ، ورددتهم عن طريق محبتي وودادي ، وعوقتهم عن دخول حضرتي ، وحرمتهم شهود ذاتي وصفاتى ، سددت بابى في وجه أحبابي ، آيستهم من وجود التربية ، وتحكمت على القدرة الأزلية ، ولكنك لا تشعر بما أنت فيه من البلية .