ابن عجيبة

65

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

والغضب : ثوران النفس إرادة الانتقام ، فإذا أسند إلى اللّه تعالى أريد غايته وهو العقوبة ، و ( عليهم ) نائب فاعل ، و ( لا ) مزيدة لتأكيد ما في ( غير ) من معنى النفي ، فكأنه قال : ولا المغضوب عليهم ولا الضالين ، وقرأ عمر رضي اللّه عنه ( وغير الضالين ) والضلال : العدول عن الطريق السوي عمدا أو خطأ ، وله عرض عريض والتفاوت بين أدناه وأقصاه كبير . قاله البيضاوي . وإنما أسند النعمة إلى اللّه والغضب إلى المجهول تعليما للأدب ، ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ . . . الآية . يقول الحق جل جلاله في تفسير الطريق المستقيم : هو طريق الذين أنعمت عليهم بالهداية والاستقامة ، والمعرفة العامة والخاصة ، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، والمنعم عليهم في الآية مطلق ، يصدق بكل منعم عليه بالمعرفة والاستقامة في دينه ، كالصحابة وأضرابهم . وقيل : المراد بهم أصحاب سيدنا موسى عليه السّلام قبل التحريف . وقيل : أصحاب سيدنا عيسى قبل التغيير . والتحقيق أنه عام . قال البيضاوي : ونعم اللّه وإن كانت لا تحصى كما قال اللّه : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها تنحصر في جنسين : دنيوي وأخروي . فالأول : وهو الدنيوي - قسمان : موهبى وكسبى ، والموهبي قسمان : روحاني ، كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوى ، كالفهم والفكر والنطق ، وجسماني : كتخليق البدن بالقوة الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء . والكسبي : كتزكية النفس عن الرذائل ، وتحليتها بالأخلاق الحسنة والملكات الفاضلة ، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلي المستحسنة ، وحصول الجاه والمال . والثاني : وهو الأخروى - : أن يغفر له ما فرط منه ويرضى عنه ويبوئه في أعلى علّيين ، مع الملائكة المقربين أبد الآبدين ، والمراد القسم الأخير ، وما يكون وصلة إلى نيله من القسم الأول ، وأما ما عدا ذلك فيشترك فيه المؤمن والكافر . ه . قال ابن جزى : النعم التي يقع عليها الشكر ثلاثة أقسام ، دنيوية : كالصحة والعافية والمال الحلال . ودينية : كالعلم والتقوى والمعرفة . وأخروية : كالثواب على العمل القليل بالعطاء الجزيل . وقال أيضا : والناس في الشكر على مقامين : منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه ، الخاصة به ، ومنهم من يشكر اللّه عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم . والشكر على ثلاث درجات : فدرجة العوام : الشكر على النعم ، ودرجة الخواص : الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال ، ودرجة خواص الخواص : أن يغيب عن رؤية النعمة بمشاهدة المنعم . قال رجل