ابن عجيبة

59

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم تنزل لبيان العبودية ، فقال : [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 5 ] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) قلت : ( إياك ) مفعول ( نعبد ) ، وقدّم للتعظيم والاهتمام به ، والدلالة على الحصر ، ولذلك قال ابن عباس : ( نعبدك ولا نعبد معك غيرك ) ، ولتقديم ما هو مقدّم في الوجود وهو الملك المعبود ، وللتنبيه على أن العابد ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولا وبالذات ، ومنه إلى العبادة ، لا من حيث إنها عبادة صدرت عنه ، بل من حيث إنها نسبة شريفة إليه ، ووصلة بينه وبين الحق ، فإن العارف إنما يحقّ وصوله إذا استغرق في ملاحظة جناب القدس ، وغاب عما عداه ، حتى إنه لا يلاحظ نفسه ولا حالا من أحوالها إلا من حيث إنها تجلّ من تجلياته ومظهر لربوبيته ، ولذلك فضل ما حكى اللّه عن حبيبه حين قال : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ، على ما حكاه عن كليمه حيث قال : إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ أي : حيث صرّح بمطلوبه ، و ( إياك ) مفعول ( نستعين ) وقدّم أيضا للاختصاص والاهتمام ، كما تقدم في إِيَّاكَ نَعْبُدُ . وكرّر الضمير ولم يقل : إياك نعبد ونستعين ؛ لأن إظهاره أبلغ في إظهار الاعتماد على اللّه ، وأقطع في إحضار التعلق باللّه والإقبال على اللّه وأمدح ، ألا ترى أن قولك : بك أنتصر وبك أحتمى وبك أنال مطالبى - أبلغ وأمدح من قولك : بك أنتصر وأحتمى . . . إلخ ؟ . وقدم العبادة على الاستعانة ليتوافق رؤوس الآي ، وليعلم منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة ، فإن من تلبّس بخدمة الملك وشرع فيها بحسب وسعه ، ثم طلب منه الإعانة عليها أجيب إلى مطلبه ، بخلاف من كلّفه الملك بخدمته ، فقال : أعطني ما يعينني عليها ، فهو سوء أدب ، وأيضا : من استحضر الأوصاف العظام ما أمكنه إلا المسارعة إلى الخضوع والعبادة ، وأيضا : لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك تبجحا واعتدادا منه بما يصدر عنه فعقبه بقوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، دفعا لذلك التوهم . والعبادة : أقصى غاية الخضوع والتذلل ، ومنه طريق معبّد ، أي : مذلل ، والاستعانة : طلب المعونة ، والمراد طلب المعونة في المهمات كلّها ، أو في أداء العبادات . والضمير المستتر في الفعلين للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضري صلاة الجماعة ، أو له ولسائر الموجودين . أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها ويجاب إليها ، ولهذا شرعت الجماعة . قاله البيضاوي .