ابن عجيبة

584

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وعزير والتوراة ، وكفروا بعيسى ومحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا ، أي : طريقا وسطا بين الإيمان والكفر ، ولا واسطة ، إذ الحق لا يختلف ، فإن الإيمان بالله إنما يتم برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه ، تفصيلا وإجمالا ، فالكافر بالبعض كالكافر بالكل في الضلال . ولذلك حكم عليهم بصريح الكفر فقال : أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا أي : هم الكاملون في الكفر حقيقة ، وإنما أكد كفرهم لأنهم تحكموا على الله ، واتخذوا إلههم هواهم ، حيث جعلوا الاختيار لهم دون الله ، وفي ذلك منازعة للقدر ، وتعطيل له ، وهو كفر وشرك ، ثم ذكر وعيدهم فقال : وَأَعْتَدْنا أي : هيأنا لِلْكافِرِينَ منهم عَذاباً مُهِيناً أي : يخزيهم ويهينهم ، حين يكرّم أولياءه ويرفع أقدارهم . جعلنا الله منهم . آمين . الإشارة : الأولياء على قدم الأنبياء ، فمن فرّق بينهم حرم بركة جميعهم ، ومن صدّق بجميعهم وعظّمهم اقتبس من أنوارهم كلهم ، والله - تعالى - غيور على أوليائه ، كما كان غيورا على أنبيائه ، فطرد من فرّق بينهم ، فكذلك يطرد من يقع في بعض أوليائه ويعظم البعض ، لأن البعض هو الكل . والله تعالى أعلم . ثم ذكر من لم يفرق ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 152 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 152 ) قلت : ( بين ) : من الأمور النسبية ، فلا بد أن تدخل على متعدد ، تقول : جلست بين فلان وفلان ، وإنما دخلت هنا على ( أحد ) ؛ لأنه يقتضى متعددا لعمومه ، لأنه وقع في سياق النفي . قاله البيضاوي . يقول الحق جل جلاله : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وما يجب له من الكمالات ، ( ورسله ) وما يجب لهم كذلك ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بأن آمنوا بجميعهم ، وصدقوا بكل ما جاءوا به من عند ربهم ، أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ « 1 » أُجُورَهُمْ الموعودة لهم ، بأن نجلّ مقدارهم ، ونرفع مقامهم ، ونبوئهم في جنات النعيم . وتصديره بسوف ؛ لتأكيد الوعد والدلالة على أنه كائن لا محالة وإن تأخر وقته ، ولمّا كان العبد لا يخلو من نقص ، رفع الخوف عنهم بقوله : وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما فرط منهم رَحِيماً بهم بتضعيف حسناتهم . الإشارة : والذين صدقوا بأولياء الله ، وعظموا جميعهم ، واقتبسوا من أنوارهم كلهم ، أولئك سوف نؤتيهم أجورهم ، بأن أنعمهم في جنات المعارف في دار الدنيا ، فإن ماتوا أسكنّاهم في الفراديس العلى ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) . والله تعالى أعلم .

--> ( 1 ) قرأ حفص عن عاصم ( يوتيهم ) بالياء ، وقرأ الباقون بالنون .