ابن عجيبة

582

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقد تكلم في الإحياء على هذه الآية فقال : إنما كان المنافقون في الدرك الأسفل ؛ لأنهم جحدوا بعد العلم ، وإنما تضاعف عذاب العالم في معصيته ؛ لأنه عصى عن علم . قلت : وافهم منه قوله صلّى اللّه عليه وسلم في أبى طالب : « ولولا أنا لكان في الدّرك الأسفل من النّار » . وذلك لإعراضه مع العلم . وقال في الإحياء أيضا : شدّد أمر المنافقين ؛ لأن الكافر كفر وأظهر ، والمنافق كفر وستر ، فكان ستره لكفره كفرا آخر ، لأنه استخف بنظر الله إلى قلبه ، وعظّم أمر المخلوقين . ه . والحاصل : أن التشديد في الرياء والنفاق ؛ لما في ذلك من تعظيم نظر الخلق على نظر الخالق ، فكان أعظم من الكفر الصريح . ه . من الحاشية . ومن علامة تصفيته الباطن من الرياء والنفاق ؛ تلبس الظاهر بأحسن الأخلاق ، ولذلك ذكره بإثره ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 148 إلى 149 ] لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ( 148 ) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ( 149 ) قلت : ( إلا من ظلم ) : استثناء منقطع ، أي : لكن من ظلم فلا بأس أن يشكو بظالمه ويدعو عليه ، وليس المراد أن الله يحب ذلك منه ، إذ العفو أحسن كما يقوله بعد ، وقرئ : ( إلا من ظلم ) بالبناء للفاعل ، أي : ولكن الظالم يفعل مالا يحبه الله . يقول الحق جل جلاله : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ أي : الإجهار بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ؛ لأنه من فعل أهل الجفاء والجهل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فلا بأس أن يجهر بالدعاء على ظالمه ، أو بالشكوى به . نظيرها : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ . قال مجاهد : هذا في الضيف النازل إذا لم يضف ومنع حقه ، أو أسىء قراه ، فقد رخص له أن يذكر ما صنع به . وزعم أن ضيفا تضيّف قوما فأساءوا قراه ، فاشتكاهم ، فنزلت الآية رخصة في شكواه . وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً لدعاء المظلوم ، ورده على الظالم ، فلا يحتاج إلى جهره ، عَلِيماً بالظالم فيعاقبه على قدر جرمه . ثم رغّب في العفو فقال : إِنْ تُبْدُوا خَيْراً : طاعة وبرا كحسن الخلق ولين الجانب ، أَوْ تُخْفُوهُ أي : تفعلوه سرا ، أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ بأن لا تؤاخذوا به من أساء إليكم ، وهذا هو المقصود بالذكر ، وإنما ذكر إبداء الخير وإخفاؤه سببا ووسيلة لذكره ، ولذلك رتب عليه فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً أي : كثير العفو عن العصاة ، مع كمال قدرته على الانتقام ، فأنتم أولى بذلك ، وهو حث للمظلوم على العفو ، بعد ما رخّص له في الانتصار ، حملا على مكارم الأخلاق .