ابن عجيبة

576

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

القلوب المواهب والأسرار ، وهذا كله لمن صحب العارفين وأخذ عنهم ، وملّك زمام نفسه لهم ، وإلا فحسبه الإيمان بالغيب ، ولو عمل ما عمل ، وبالله التوفيق . ثم ذكر وعيد من ارتد عن الإيمان ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 137 إلى 139 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ( 137 ) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 138 ) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ( 139 ) يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثم تكرر منهم الإيمان والكفر ، ثم أصروا على الكفر وهم المنافقون ، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ؛ لما سبق لهم من الشقاء ، أو إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بموسى ثُمَّ كَفَرُوا بعبادة العجل ثُمَّ آمَنُوا حين تابوا ثُمَّ كَفَرُوا بعيسى ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ، وهم اليهود ، والأول أظهر ؛ لأن الكلام بعده في المنافقين ، فقال تعالى في شأنهم : لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا أي : طريقا توصلهم إلى الحق ، إذ يستبعد منهم أن يتوبوا ، فإن قلوبهم أشربت الكفر ، وبصائرهم عميت ، لا ينفع علاجها ، لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم ينفعهم ، وقد يكون إضلالهم عقابا لسوء أفعالهم . ثم ذكر وعيدهم فقال : بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً . وهم الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ أي : أحبابا وأصدقاء مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ، وقد كان الكفار قبل ظهور الإسلام لهم الصولة والجاه ، فطلب المنافقون أن ينالوا بولايتهم ومصادقتهم العزّ منهم ، فردّ الله عليهم بقوله : أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ بولايتهم ؟ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ولرسوله ولأوليائه ، ولا عزة لغيره ؛ إذ لا يعبأ بعزة لا تدوم ويعقبها الذل . الإشارة : من كان ضعيف الاعتقاد في أهل الخصوصية ، ضعيف التصديق ، تراه تارة يدخل وتارة يخرج ، وتارة يصدق وتارة ينكر ، لا يرجى فلاحه في طريق الخصوص ، فإن ضم إلى ذلك صحبة أهل الإنكار وولايتهم ، فبشره بالخيبة والخسران ، فإن تعزز بعزهم أعقبه الذل والهوان ، والعياذ بالله من الخذلان ، فالعز إنما يكون بعز التوحيد والإيمان ، وعزة المعرفة والإحسان ، وبصحبة أهل العرفان ، الذين تعززوا بعز الرحمن ، فمن تعزز بعز يفنى مات عزه ، ومن تعزز بعز يبقى دام عزه ، والشبكة التي يصطاد بها العزّ هو الذل لله ، يظهره بين عباد الله . قال بعضهم : والله ما رأيت العز إلا في الذل . وقال الشاعر : تذلّل لمن تهوى لتكسب عزّة * فكم عزّة قد نالها المرء بالدّلّ وبالله التوفيق .