ابن عجيبة
570
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : من شأن العبودية : الضعف والعجز ، فلا يستطيع العبد أن يقوم بالأمور التي كلف بها على العدل والتمام ، ولو حرص كل الحرص ، وجدّ كل الجد ، فلا يليق به إلا التحقق بوصفه والرجوع إلى ربه ، فيأتي بما يستطيع ولا يحرص على مالا يستطيع ، فلا يميل إلى الدعة والكسل كل الميل ، ولا يحرص على مالا طاقة له به كل الحرص ، فإن التعقيد ليس من شأن أهل التوحيد ، بل من شأنهم مساعفة الأقدار ، والسكون تحت أحكام الواحد القهار ، فلا تميلوا إلى التعمق والتشديد كل الميل ، فتتركوا أنفسكم كالمعلّقة ، أي : المسجونة ، وهذا من شأن أهل الحجاب ، يحبسون في المقامات والأحوال ، تشغلهم حلاوة ذلك عن الله تعالى . فإذا فقدوا ذلك الحال أو المقام سلبوا وأفلسوا . وأهل الغنى باللّه لا يقفون مع حال ولا مقام ، هم مع مولاهم ، وكل ما يبرز من عنصر القدرة قبلوه ، وتلونوا بلونه ، وهذا مقام التلوين بعد التمكين . وفي إشارة أخرى : اعلم أن القدرة والحكمة كالزوجين للقلب ، يقيم عند هذه مدة ، وعند هذه أخرى ، فإذا أقام عند الحكمة كان في مقام العبودية من جهل وغفلة وضعف وذلة ، وإذا أقام عند القدرة كان في مقام شهود الربوبية فيكون في علم ويقظة وقوة وعزة . ولا قدرة له على العدل بينهما ، فلا يميل إلى إحداهما كل الميل بل يسير بينهما ، ويعطى كل ذي حق حقه ، بأن يعرف فضلهما ، ويسير بكل واحد منهما . وإن تصلحوا قلوبكم وتتقوا ما يشغلكم عن ربكم ، فإن الله كان غفورا رحيما ؛ يغفر لكم ميلكم إلى إحدى الجهتين والله تعالى أعلم . فإذا تعذر الإصلاح بين الزوجين ، وأراد الفراق ففي الله الغنى عن كل شئ ، كما أشار إلى ذلك بقوله : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 130 ] وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً ( 130 ) يقول الحق جل جلاله : وَإِنْ يَتَفَرَّقا أي : يفارق كل واحد منهما صاحبه ، يُغْنِ اللَّهُ كل واحد منهما عن صاحبه ، ببدل أو سلو يقوم بأمره من رزق أو غيره ، من سعة غناه وكمال قدرته ، وَكانَ اللَّهُ واسِعاً بقدرته حَكِيماً أي : متقنا في أحكامه وأفعاله . ثم بيّن معنى سعته فقال : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي : كل ما استقر فيهما فهو تحت حكمه ومشيئته ، قائما بحفظه وتدبيره ، يعطى كل واحد ما يقوم بأمره ويغنيه عن غيره . والله تعالى أعلم . الإشارة : اعلم أن الروح ما دامت مسجونه تحت قهر البشرية ، محجوبة عن شهود معاني الربوبية ، كانت فقيرة جائعة متعطشه ، تتعشق إلى الأكوان وتفتقر إليها ، وتقف معها ، فإذا فارقت البشرية وانطلقت من سجن هيكلها ،