ابن عجيبة
568
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
القلوب ، ما تحققون به عبوديتكم ، ومن نتائج الأفكار ما تشاهدون به عظمة ربكم ، ويأمركم أن تقوموا بالعدل في جميع شئونكم ، فتعطوا الشريعة حقها والطريقة حقها ، وتحفظوا أسرار الحقيقة عن غير مستحقها ، والله لا يضيع أجر المحسنين . ثم أمر بالصلح بين الزوجين عند خوف النشوز ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 128 ] وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 128 ) قلت : امرأة : فاعل بفعل يفسره ما بعده ، وأصل ( يصّالحا ) : يتصالحا ، فأدغمت ، و ( صلحا ) مصدر . وقرأ الكوفيون : يصلحا ؛ من الرباعي ، فتنصب صلحا على المفعول به ، أو المصدر ، و ( بينهما ) ظرف ، أو حال منه ، وجملة ( الصلح خير ) : معترضة ، وكذا : وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ، ولذلك اغتفر عدم تجانسهما . يقول الحق جل جلاله : وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ وتوقعت من زوجها نُشُوزاً أي : ترفعا عن صحبتها ، وتجافيا عنها ، كراهية لها ، ومنعا لحقوقها ، أَوْ إِعْراضاً عنها ، بأن يترك مجالستها ، ومحادثتها ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أن يتصالحا بَيْنَهُما صُلْحاً بأن تحط له من مهرها ، أو من قسمها مع ضرتها ، أو تهب له شيئا تستميله به . نزلت في سعد بن الربيع ، تزوج على امرأته شابة ، وآثرها عليها . وقيل : في رجل كبرت امرأته ، وله معها أولاد ، فأراد طلاقها ليتزوج ، فقالت له : دعني على أولادي ، واقسم لي في كل شهرين أو أكثر ، أو لا تقسم . فذكر ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال له : « قد سمع الله ما تقول ، فإن شاء أجابك » ، فنزلت . وقيل : نزلت في سودة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، لما كبرت ، أراد - عليه الصلاة والسلام - أن يفارقها ، فقالت : أمسكني في نسائك ولا تقسم لي ، فقد وهبت نوبتي لعائشة ، فإني أريد أن أبعث في نسائك . ثم رغّب في الصلح فقال : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ من المفارقة ، أو من سوء العشرة والخصومة ، أو خير في نفسه ، ولا يكون إلا مع ترك بعض حق النفس من أحد الخصمين ، فلذلك ثقل على النفس فشحت به ، وإليه أشار بقوله : وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ أي : جعلته حاضرا لديها لا يفارقها ، لأنها مطبوعة عليه ، فالمرأة لا تكاد تسمح للزوج من حقها ، ولا تسخو بشئ تعطيه لزوجها ، والزوج لا يكاد يصبر على إمساكها وإحسان عشرتها إذا كرهها ،