ابن عجيبة

562

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم قبّح شأن الشرك ، وشنّع قبحه ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 117 إلى 121 ] إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً ( 117 ) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 118 ) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً ( 119 ) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً ( 120 ) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً ( 121 ) قلت : المريد والمارد ؛ هو الذي لا يعلق بخير ، وأصل التركيب للملابسة ، ومنه : صرح ممرّد ، وغلام أمرد ، وشجرة مردى ، أي : سقط ورقها . قاله البيضاوي . ه . وقيل : المريد : الشديد العاتي ، الخارج عن الطاعة . يقول الحق جل جلاله : إِنْ يَدْعُونَ : ما يعبدون مِنْ دُونِهِ تعالى إِلَّا إِناثاً ، كاللات والعزى ومناة ، فإن ألفاظها مؤنثة عندهم ، أو لأنها جوامد لا تعقل ، فهي منفعلة لا فاعلة ، ومن حق المعبود إن يكون فاعلا غير منفعل ، أو يريد الملائكة ؛ لأنهم كانوا يعبدونها ، ويزعمون أنها بنات الله ، وما يعبدون في الحقيقة إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً عاصيا ، لأنه هو الذي أمرهم بها ، وأغراهم عليها ، وكان يكلمهم من أجوافها . ثم وصفه بأوصاف توجب التنفير عنه فقال : لَعَنَهُ اللَّهُ أي : أبعده من رحمته ، وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً أي : مقطوعا فرضته لنفسي ، من قولهم : فرض له في العطاء ، أي : قطع ، وَلَأُضِلَّنَّهُمْ عن الحق وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ الأماني الباطلة ، كطول الحياة ، وألّا بعث ولا عقاب ، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ أي : يشقونها لتحريم ما أحل الله ، وهي عبارة عما كانت العرب تفعل بالبحائر والسوائب ، وإشارة إلى تحريم كل ما أحل الله ، ونقص كل ما خلق الله كاملا بالفعل أو بالقوة ، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ، صورة ، أو صفة ، فيندرج فيه خصاء العبيد والوشم ، والتنمص - وهو نتف الحاجب - . زاد البيضاوي : واللواط ، والمساحقه ، وعبادة الشمس والقمر ، وتغيير فطرة الله التي هي الإسلام ، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا ولا يوجب لها من الله زلفى . وعموم اللفظ يقتضى منع الخصاء مطلقا ، لكن الفقهاء رخصوا في خصاء البهائم للحاجة ، والجمل الأربع حكاية عما ذكره الشيطان نطقا ، أو أتاه فعلا . ه .